السبُل المُقتضية لاستبقاءِ الميتافيزيقا:

السبُل المُقتضية لاستبقاءِ الميتافيزيقا:

*هذا البحث إهداء إلى: ع.البيشي.

 

مقدمة :
إنّ الترصُّدَ بالسُّوءِ لقولٍ من الأقوال لا يُبقي منه شيئًا جديرًا بأن يُحافَظَ عليه أو يُستكمَل؛ لأنّه سنخٌ من الفهمِ الذي قضى على نفسه، وقدّر نيةً لغمرِ هذا القول وخنقِ أنفاسِه قبلَ أن يظهر له بتمامه، بِلهَ أن يُمحِّصه ويَسبره نقطةً فنقطة. وسريعًا ما يُبادِرُ مثلُ هذا الفهمِ إلى أن يُخفي ويُصنِّف، ثم في النهاية تصحبُه نشوةٌ غريبة إذا ما كُلِّلَت مُهِمَّتُه بالنجاح، هي نشوةُ الكِبرِ التي لا صِدقَ فيها ولا جِدَّ إلا بقدر ما في خوفِه من أن تستبينَ حقيقتُه وحجمُه إزاءَ الأفهامِ النبيلة. فما الفهمُ النبيل؟ إنّه ذاك الفهمُ الذي يستبقي ويستنقذ الشيءَ كلَّه أو بعضَه وإن كان كثيرُه فاسدًا.

وهذا شأنُ الميتافيزيقا في وقتِنا، والتي يُطرَحُ السؤالُ عنها على وجهين: هل انتهت؟ أم أنّها تحتضر؟ وعلى فرض هذا الوجهِ الثاني، يجوز أن يدخُلَ مَن يعملون على استكمالِ احتضارِها نحو النهاية تحتَ قولِ الشاعر: "وضعيفة فإذا أصابَت فرصةً قتلت"؛ فالضعيفُ هو القائلُ بنهايتِها وموتِها، وقولُه في كلِّ الأحوالِ سيكونُ حكمًا صادقًا نظرًا للشرطِ الذي تعيشُ فيه الميتافيزيقا في أيّامِنا هذه، وهو الحيرةُ في أمرِ نفسها ذاتِه والتي تركتها في العراء لتقتل بأقلِّ مجهود ممكن. إلا أنّ مَن يحتضر يُنقَذ، كما نعهَدُ في كلِّ شيءٍ حيٍّ في الحياة، أو يُستبقى منه ما يُمكنُ أن يعيش، فلماذا نستثني الميتافيزيقا من ذلك؟ إنّ هذا السؤال قمينٌ بأن يجعلَ النظرَ في كلِّ ما قد قيل عن موتٍ واحتضارٍ للميتافيزيقا قولًا يحتملُ درجةً عاليةً من الترصُّدِ بالسوء، وفي حالِ أحسَنّا الظنَّ فإننا سنسلكُ مسلكَ شلايرماخر ونرى أنّ ذلك مردُّه إلى أنّ كلَّ مبادلةٍ لغويةٍ تحتملُ سوءَ فهمٍ، كظلٍّ يصاحبُها.إنّ المقولاتِ التي تتحدّثُ عن نهايةِ الميتافيزيقا أو احتضارِها والتي تستندُ في نهايةِ المطافِ في النظرِ إليها من خلال بُعدَي الحياةِ والموت، تحمِلُ في داخلِها نواةَ استبقائِها من حيثُ لا تعلم؛ إذ الحيُّ أو الذي ينتمي إلى الحياة، أنّى لنا أن نُسائلَه عن حياتِه ونحن في الأفقِ والمستوى عينِه الذي ينتمي إليه، أي الحياة؟ إنّ مقتضى الصِّدقِ الذي عزمَ نيتشه بناءً عليه وضعَ حدٍّ للميتافيزيقا، هو ذاتُه يستبقيها من حيثُ اعتباره إياها ضربًا من الحياة، وكيفما يكون نظمُ قصيدةِ تاريخِ الفلسفة/الميتافيزيقا، يكونُ الموقِفُ منها.

- في معنى السبيل الذي من شأنه أن يستبقي الميتافيزيقا  :

تدلّ كلمةُ سبيلٍ في اللغةِ العربيةِ على الطريق، لكنها ليست مجردَ طريق، بل الطريقَ الذي وضَحَ واستبان. ومن ثم، فلا يُقالُ لشيءٍ إنّه سبيلٌ إلا إذا كان قادرًا على الإفضاءِ إلى شيءٍ ما. وبوجهٍ عام، لا يكونُ السبيلُ سبيلًا إلا إذا ألزمَ السالكَ قصدًا معيّنًا يستقيهِ من المقصودِ نفسِه. إنّ السبيلَ إذًا لا يكونُ قد وضَحَ واستبان إلا إذا كان مُنفتَحًا، عبرَه يُبصَرُ ويُرى المقصود. وهذه الرؤيةُ عبرَه يمكنُ أن نُسمّيَها "جدارةَ" السبيل، وهي تكونُ له بقدرِ ما يُتيحُ النظرَ إلى المقصود. ومن خلالِ هذا التمهيدِ المختصرِ في معنى السبيل، فنحن نريدُ أن ننجوَ من معنىً متظنَّنٍ يرى في السبيلِ الذي من شأنه استبقاءُ الميتافيزيقا طريقًا مُبتدَعًا من لدُنِ الفكرِ إلى معنىً آمنٍ يُفيدُ بأنّ هذا السبيلَ الذي يسيرُ فيه الفكرُ إنّما هو في تماهٍ مع كونِه يُفكِّرُ في موضوعِه، وأنّ موضوعَه إنّما يفرِضُ عليه هذه السبيلَ على جهةِ الاقتضاء. وقد يبدو بديهيًّا أنّ العلاقةَ بين السبيلِ وما يفضي إليه هي علاقةُ الوسيلةِ بالغاية، بيدَ أنّ هذا الارتباطَ قد يُخفي الوحدةَ عميقةَ الغورِ لهذه العلاقة، الوحدةَ التي شأنُها أن تُصاغَ على النحوِ الآتي: "لا وسيلةَ دون غايةٍ، ولا غايةَ دون وسيلة". وصياغتُها هذه إنّما تُحيلُ إلى علاقةِ تضمُّنٍ متبادَل، وبعيدًا عن التوصيفِ المنطقي، فإنّ هذه العلاقةَ هي علاقةُ حنينٍ متبادَل. إنّ الوسيلةَ تحنُّ إلى أن تكونَ مع الغاية، والغايةُ تحنُّ إلى أن تكونَ مع الوسيلة. والحنينُ لا يكونُ إلا لأنّ شيئًا ما قد تركَ أثرَه فينا. بذلك، فإنّ في الوسيلةِ أثَرَ الغاية، وفي الغايةِ أثرَ الوسيلة. إنّها حركةٌ من-إلى، فيجوزُ لنا إذا أن نقولَ محتذين بأرسطو: إنّ الوسيلةَ هي حنينٌ لاستعادةِ موجودٍ كان موجودًا بالفعل، فصار موجودًا بالقوة، أي إنّها إرجاعٌ له إلى فعليّتِه. أمّا حنينُ الغايةِ للوسيلة، فهو حنينُ ما كان بالقوة إلى الفعلية (أي حنينٌ إلى الشيء إلى نفسه) عبر فعليّة أخرى بما هو متحقق بها، إنّ فعليّةَ الوسيلةِ فعليّةُ الغاية.

إلّا أن الأمر في شأن الميتافيزيقا يتطلّب مُضاعفةً ما يُفضي إليه السبيل رُغمَ أنّه واحِد، حيثُ أن أي شيء له سبيل يُمكِن أن يُستبقى، لذا على السبُل التي تستبقيها أن تكون هي ذاتُها علّة إستبقاء اللا-ميتافيزيقي أو الذي تُرَكت الميتافيزيقا لأجله، ونعني على وجه التخصيص والإيضاح أن يكون شرطُ سبل إستبقائها سبل إعتبار هموم الفلسفية الراهِنة.

 

1- السبيل الأوّل: المنعرج اللغوي :

"إننا إذ نتقاسَم لُغةً، أيا كان المعنى الذي نقتضيها به حتّى يكون ثمة تواصل، نتقاسم صورةً للعالم يلزم أن تكون صادقة في ملامحها العامّة. والحاصل من ذلِك أننا نَجعَل الملامِح العامّة للواقع جليةً، إنّ نحوا من مزاولة الميتافيزيقا هو إذا درسُ البنية العامّة للغتنا" دونالد ديفيدسون.

قبلَ الخوضِ في المعاني النفيسة لهذا التصريح لديفيدسون يجِبُ أن نشيرَ إلى معنيين إثنين هما بمثابة أوضاعٍ للميتافيزيقا ما-قبلَ المُنعرج اللغوي وهما على التوالي : 1- وضعُ إستنفاد الإمكانيّات (نيتشه)، 2-وضعُ الحاجة إلى بدء في الفلسفة بعد أن إستنفدت الميتافيزيقا إمكانيّاتها، فما تولَّدَ نظرًا لاستنفادِ الميتافيزيقا إمكانياتِها هو احتياجٌ ضروريٌّ (نعني البدءَ)، وهذا الاحتياجُ كان يقتضي فهماً للبدءِ حتّى يكونَ البدءُ المُستَجِدُّ مختلفًا عن الذي كان. نتَجَ مِن ذلِك استقصاءٌ للمصطلحِ الفلسفيِّ الميتافيزقيِّ حتّى اللحظةِ التاريخيَّةِ التي تكوَّنَ فيها وتنقيَّةِه من كُلِّ ما اختلط به من عوارِضَ مرَّ بها كاللاهوت، مثلما نجِدُ مع هيدغر. وهذه الإشارةُ كفيلةٌ بأن تدلَّنا على معنىً خفيٍّ في مفهومِ المنعرج/المنعطَف، وهو أنَّ الانعراجَ أو الانعطافَ ليس ضرورةً تحويلًا للوُجهةِ عن شيءٍ نحو شيءٍ آخر لا علاقةَ له به، أي أنَّه ليس إعراضًا عن شيءٍ لصالِحِ شيءٍ، بل هو - إن إعتبرنا القول الأرسطوي القائل "إن الوجود يقال على دلالات كثيرة"  والذي يتجذّر فيه المشكل الميتافيزقي كمشكل حول الوجود - ظهَرَ لنا أنَّ المنعرَجَ اللغويَّ تحويلُ الوجهةِ إلى مُشكلٍ تعترِفُ الميتافيزيقا ذاتُها بأنَّها قد تولَّدَت مِنه (ما نسمِّيهِ ترصُّدًا بالسوءٍ يجِدُ أوَّلَ مظاهرِه في اعتبارِ المنعرجِ اللغويِّ انعراجًا عن الميتافيزيقا، وإن أحسنَّا الظنَّ فإنَّ الوقوفَ موقِفَ الضدِّ منها قائمٌ على الجهلِ بها).

بعودٍ إلى تصريحِ ديفدسون فسيتراءى الآن أنّ تجذّر المُشكل الميتافيزقي في اللغة هو تجذّر في ماهو قابلٌ للتقاسِم، وبحسب ذلك يتبدّى أنّها ذات شأوٍ عََدليٍّ على وجه الخصوص وأنثروبولوجي منتمٍ للتاريخ، وبلغة فتنجشتاين هي مِنَ العالَم، بغير ما عناء فالتناقُض بائن متبدٍّ في هذا التصريح فأنّى للميتافيزيقا والأنطو-ثيولوجيا (أنطو-لاهوت) شيءٌ بعدُ وقَد فقَدا خصيصة خطابيهما أي التعالي والمُفارقة ؟ أم هل يبقيان بقدرِ مافيهما من بُعدٍ تجريبي ؟ هذان الإحتمالان إن تمَّ الأخذ بأي مِنهما نكون ضمنيا قد إتخذنا من الآخر موقِفَ الضدِّ، وهذا مما لا يجيزُه ما تعهّدنا سابقا به أي أن يكون سبيل إستبقاء الميتافيزيقا عين سبيل إستبقاء غيرِها.

ينفتِحُ الطريق إذا ما نظرنا إلى جزئية مُشاركة الميتافيزيقا في اللغة ومِن ثمَّ أنّها تشارِك في العالم، إنّ المشارَكة هيي تملُّك جزء مِن من شيءٍ وبالتالي لا يكونُ العالَم إمّا ميتافيزيقيا وإما غير-ميتافيزيقي، بذلِك فإن الإقتباس أعلاه لديفدسون إنّما يطرَحُ مُشكِلا هو جذر الميتافيزيقا والأنطو-ثيولوجيا وهو مشكِل التَناسُب .

1.1- التناسُب كمحايثة مضاعفة، فيضُ التعالي مِن التحايث وإنابة التحايث إلى التعالي : 

"أنا مِنكَ فأعدني إلي" جلال الدين الرومي.

يُحتاج قبلَ الدّخول في مشكل التناسب الإشارة إلى خاصّيّة مميزة للسؤال عن الوجود (بما في ذلك تعدده الدلالي) وهي القطيعة التي يقيمها مع الخِطاب الشّعري واليومي، أي مجال الإستعارَة ومجال الإستخدام، ويشكّل المجال الثاني مرتعا يغتذِّي منه الثاني خطابِه، وعلى وجه الدقّة فإنَّ المقاربة الخلّاقة التي للإستعارة تغتذي مما هو مستهلك، إلّا أنّ أهم ملمِح يؤصّلُ للتناسب باعتباره نقطة إشتراك بين الخطابات على تنوعها هي ملاحظة سبَق لبول ريكور الإشارة إليها في سياق حديثه عن مؤلّف المقولات لأرسطو، تقول هذه الملاحظة أن التناسب بالكلية ينشأ إثر ضعف المعايير، بذلِك فإنّ ما يقيمه ديفدسون من تناسبٍ بين نسبة الميتافيزيقا في اللغة ونسبة مشاركتها في العالم الذي نتشارَكه هو دالٌّ أوّلا بالنّظر إلى إشارة ريكور على علاقة معيّنة بالعالم قائمة على الفهم أو التوضيح المستمر لخصائصة العامّة، إنّ معايير إبانة العالم ضعيفة كيقين مخترق بالشّك مما يفرض على إنتماء الميتافيزيقا إليه أن يكون بصورة لا-ميتافيزيقيّة حيث اليقين مطلبٌ لا يُمكِن تحصيلُه، وهكذا يُرى إمكانية نموٍّ وتواجُد للميتافيزيقا بغير المطالب التي تفترضها هي لأجل تحقق شرط العلمية، وهذا يرتبط بصورة مباشرة مع مسألة الكُلِّي؛ فلأنّ هناك طبيعة واحِدة ومشتركة بين الجزئيات جاز وجود العلم أو لأنّ هناك كلّي صارَ العِلمُ ممكنا.

يتضمَّن التناسب المُضاعَفة، لا على جهة التكرار، بل كظهورٍ للشيء عينِه في غيرِه، بوصفه إمكانيّة جِدّة ووفرةٍ في ذلك الغير؛ فهو يعمل كدلالة متواطئة ومشتركة، تُنظَّم وفق صيغةٍ متوتّرة بين الوجود واللا-وجود. وبهذا المعنى، فإنّ ما هو كُلّيّ ليس إلا تضاعفًا للجزئي في أنحائه المختلفة.ويمكن أن نجد صدى لهذا القول في الشذرة الأولى من العلم المرح لنيتشه، الموسومة بـ"أطبّاء الهدف من الوجود"، حيثُ لا يُعبّر تعاقبُ الأهداف الميتافيزيقية إلا عن غيابها؛ كما أن تغييبها للمحسوس إنما يتمّ بفعل المحسوس ذاته.إذ طالما أنّ الجزئي أو المحسوس قَد أثبتا نفسيهما حتّى عبر غيريّة مُطلقة، فإنّ إثباتهما لأنفسهما بصيغ تخصّهما هو أمرٌ غيرُ ممكن لأنّ قدرَ الوضوح الذي يمتلكانِه إنّما يجعلُ مِن الإثبات تشكيكا فلا حاجة البتّة لإثباتِ شيء هو يظهر ويقرِّ حتّى داخل الذي يتنكَّر له. الأمر هنا أشبه بجعل الصمت — الذي حرّض فتغنشتاين أن يكون موقفًا من الميتافيزيقا — موقفًا أحقّ تجاه الفيزيقا نفسها. يجري الجزئي من تحت نفسه، تمامًا كما يجري سؤال الوجود من تحت سؤال الماهية؛ وإلّا لما أمكن للحياة أو للجزئيات أن تنتظِم لأجل أيّ نمطٍ من أنماط العيش.

يتضمّنُ المتعالي إمكانيّات الجزئي المحايث وتسكُنُ فيهُ ليستفرغها هذا الأخير هذا ما تدلُّ عليه وياللمفارقة العدميّة، إذ أنّ المثل العليا التي أستنفِدَت إمكانيّاتها هي لم تستنفَد إلّا لأنّ المحسوس قد فاضَ متجاوزا حدَّ الكُلّي، وعلى أيّة حالٍ فإنَّ التناسُب كمحايثة مضاعفة يتضمَّنُ أيضا ما ذهَبَ إليه ليفيناس مرّة بأنّ علاقة المُطابَقة التي للمحايِث مع نفسِه إنّما تفيضُ بهِ ذاتَه لكِن في شكلٍ مُتعالٍ على غرار الآية من سِفَرِ نشيد الإنشاد "أنام ولكنَّ قلبي مستفيق" والتي يُمكن للآية 8 من سورة العَلَق من القرآن والقائلة "إنّ إلى ربِّكَ الرُّجعى" أن تقابلها؛  فالرَّب المتعالي الذي يُرجَعُ إليه يفيض بالدلالة على المُحايِث ولا أدلَّ على ذلِك من الآيات 7و6 اللتان تسبقانِها إذا يقترِن فيهما التعالي كانفصال بطغيانٍ (يعمل الطغيان الذي للمتعالي في القرآن بذاتِ الطريقة التي يعمل فيها عند نيتشه كضدِّ للحياة ومُفسِد لها) ينتج عنه الإستغناء عن المُحايِث، والحال أن الرجوع الذي للمحايث إلى نفسه كتعالٍ لا ينجُم عنه إلّا تحقق تحايثه والذي يشير إليه القرآن بـ"التَّنبئة" عمّا كان قبلَ الرجوع إلى الرّب المتعالي أي عنهُ هو نفسُه، والخُلاصة أنه بهذه الطريقة فإنّ الثَبات/التطابق لا يدلُّ على سكون وإنّما يكونُ وعي فيضِ المُحايِث على كثرته واختلافِه.

1.2 - المحايثة المضاعفة كتطهير للثيولوجيا عبرَ العلمِ التجريبي ومبدأ العليّة :  

ما نستهدِفُه في هذه الفقرة هو القيام بتناسُب أو تناظرٍ إن شئنا بين مسلّمة أرسطيّة حول النّاس تفيد بأنّ كلّهم يشتاقون إلى الفهم لتفسيرٍ تفضيلِهم لحاسّة البَصَر؛ لأنّه يمنَح القُدرة على إستجلاب الكثير في الشيء الواحد، وبين إشارة لهيدغر حول مبدأ العلّة والتي بدورها تفيدُ أننّا بفضلِه "نرى كثيرا ونمسِك بالقليل"، أما بيان هذا التناسب فليس بحاجة إلى شرح بل حسبُنا أن نسترجِع تماهي مبدأ العليّة مع الطبيعة عند سِبينوزا؛ فالعين التي ترى كثيرا إنّما تحلِّ محلَّ الفِكرِ عِنده والإمساك بالقليلِ إنّما يحلُّ محلَّ الوعي الذي يستوقِف الأثَر الذي إنطَبَع فيه ليحوِّله إلى غاية (telos)، ينبلِج ههنا تناسُبٌ آخر أعمق غورا، وهو أنّ ما ذكرناه سابقا من أنّ العدميّة هي إستفراغ إمكانيّات المحايث التي ضمّنها في المتعالي لا محيص لها مِن أن تذهَب بالأثر الذي حوَّله الوعي إلى غاية متعالية، وتلتقي هذه المحايثة المضاعفة عِندَ سبينوزا مع مفهومٍ فريدٍ للتعالي لدى باول تيليتش فهو ليسَ أكثَر مِن علاقة بمتناهٍ قَد أمكَن للذات أن تستجمِع فيه نفسها "cogitare"، أي أنّه يتعلّق بضربٍ مِنَ التوحيد الذي تحقّق فيه النّفسُ،وعليه فإنّ مسألة الألوهة هي مسألة ذلِك الذي تتحقّقُ فيه النّفس، والأمر يتحقق أيضا من جهة النّظر إلى التعالي ككليّة بالقَدر الذي تستطيع الذات إستجماع نفسها فيه تحت أي ظرفٍ تحلُّ فيهِ في علاقة مع المتناهي المحايث.إنّنا نجِدُ عندَ فرانسيس بيكون وغيرِهِ لوما للميتافيزيقا كشيءٍ يمثل إيقافا لنموِّ العِلم التجريبي ولكن في داخِل التعالي كمحايثة مضاعفة فإنّ التطابُق أو ال"نّفسه" والهو هو يعنيان فيضا مِن الإنتباه واليَقظة للجزئي والمحسوس والمحايث للحَد الذي قَد لا تستطيعُ أدواتُه القياسيّة الإحاطة به.

وبهذه الشاكلة فإن النزاع بين التعالي الذي للثيولوجيا والمحايثة التي للعلمِ التجريبي ليسا أكثر من سوءٍ فهمٍ كُلِّ مِنهما لنفسه، فانفصال كُلِّ واحِدا مِنهُما عن الآخر وعدُّ نفسه غيريِّة مُطلقة  يستوجِب غياب العلاقة بينهما إنّما يلغيه التعالي كمحايثةٍ مضاعفة، فهو كتحقق لمحايثة المحايث سيكونُ أيَّ محايِث يلتقيه غيرَ مُتحقّق بمثابة الإمتحان حولَ إذا ما كانَ تحققه صالحا فيكون هذا المحايث غيرَ المتحقِّق مِنه وعائِدا إليه، وإن لم يكن صالحا فبذلك يُفهَم أنّ هذه المحايثة المضاعفة إنّما هي من قبيل تعالٍ زائف، لذا فإنّ النزاع بينَ الثيولوجيا والعلم التجريبي إنّما يقوم بوظيفة قائمة على تطهير المحايثَة المضاعفة من أخلاط تمنعها من التَحقّقُ، فيصبح العِلم التجريبي مُناسبة للإيمان لتجويد فهمِه لنفسِه. بيدَ أنّ العَلاقة التطهيرية للعِلم التجريبي بالثيولوجيا هي ليسَت علاقة يقوم فيها بتوجيهه؛ لأنّ عمليّة التطهير التي تقتضيها المحايثة المُضاعفة إنّما تدلّ وتشهَد على مسلّمة واعية بأنّ ما يتمِّ تطهيرُه هو المستمر في الوجود لا-محالة، لذا لا يقومُ العلم التجريبي بما هو كذلك إزاء الإيمان إلّا وهو يسلِّم بوجوده.

 

2- السبيل الثاني: الميتافيزيقا والحياة (حولَ إمكانيّة إيجاد جذر للحيِّ داخِل ميتافيزيقا ديكارت):

الحيَّ إنّما هو قُدرة، فأن تكون حيا يعني أن تقتدِرَ على شيء، وهذا التعريف أشمل ما يكون حتّى بالنّظر إلى اللغة العربية، فالحي يقال حتّى الأرض حينما تحفَل بإمكانيّات كأن يزرع فيها أو تسوَّر لأجل الحيوانات التي تُرعى، ولقَد أشار الفرنسي ميشيل هنري مرّة إلى ملاحَظة كفيلة بأن تجعَل تراث خِطاب التعالي مُستعادا بصورة كفيلة بتخطئة كُلّ أو كثير مما قيل عن تاريخ الفلسفة، فلولا أولويّة خفيّة للتمثّل/التصوّر على حِساب الإحساس لأمكَن مَثلا لديكارت أن يكون بدلا مِن كونِه ميتافيزيقيا إلى أن يكون مِن أوائل مَن فكّروا في الوجود باعتبارِه حياةً وبذلِك يُضمُّ إلى كلِّ مِن نيتشه وفرويد، فالحياة إكتفاءٌ ذاتي أقرَب ما يكون للطبيعة المكتفية بذاتِها عند سبينوزا، حيث الفِعل والفاعِل لا يفعلان إلّا بإنفعال ذاتي في صُلبِها، وكُلّ ذلِك إستنباط مِن ميتافيزيقي يفترض ثنائية المتعالي-المحايث، حيثُ أنّ السؤال الذي يلحَقُ اليقين الذي للكوجيتو وهو سؤال باحثُ عن ماهيّة الأنا أفكّر إنّما يستنِد على البدوِّ أو ما يتبدّى كمظهر كأن يبدو له أنه يرى شمعة أو كأسا، ففي الحقيقة لا يتعرّف الأنا أفكّر ويستيقن من نفسه إلّا عبرَ المحايث، إلّا أنّ ما يهمّنا على الوجه التحديد في هذا السبيل هو تشبيه جان غرايش للحياة عِند هنري بمقولة لميستر ايكارت وهي أننّا إذا سائلنا الحياة لماذا تحيين فلن تجيب سوى بأنها "تحيا لأنّها تحيا" فالحي حي لأنّه حي أي أنّ الحياة محايثة مضاعفة؛ فهنري لا يعُدُّ ماهية إلّا شيئا نسلِّمُ به ولا نقوى على إعتراضه، فبما أنّ الحياة تشمل الموت عِنده وكما نجِد في اللغة العربيّة (بمعنى أن الحياة مأهولة بالموت) فإنه يكون التعبير الأمثَل عمّا يُريد قولَه، وبذلك فإنّ المفارِق أو المتعالي هو ذاتُه المحايث أو الحي، إنّ الشاهِد عِند ميشيل هنري هو إمكانية إنتماء خطاب التعالي الميتافيزيقي للحياة بما هي حياة وهذا يعني أن الموقِف مِن الميتافيزيقا لا يُمكِن أن يكون ضدّها أو معها بل هو موقفٌ لا-فارِق؛ لأنّها كحياة تنتمي إلينا بقدر مافينا مِن حياة، وما دامَ تاريخ الفلسفة يُمكِن أن يُنظَم في قصيدة أو صياغة أخرى ناجِعة تلتقي مع الهموم الراهِنة فإنّنا لن نعدِم مِن علاقة مع خطاب التعالي إلّا بضغينة يهمُّها أوّلا أن تنفي ماهي ضدّه .

 

3- السبيل الثالث: تأديات الحرف "ميتا/meta":

يتقوَّم هذا السبيل بالحديث بوضع هام للخِطاب المتعالي وهو فقدُه في هيأة صيرورة ما استأثر به لنفسِه بصورة متواصِلة، إلّا أنّ هذا الفقد لخصوصيّته أبقى على أخصِّ خصائصه ونعني الحرف "ميتا/meta" مثلما نجد في الميتاسيكولوجيا مع فرويد وغيرها كما يلاحظ جان جرايش في كتابه الكوجيتو المجروح أيضا، وبذلِك نفهم أنّه -أي الحرف- يقوم بتأدية وظيفة معيّنة بالنّظر للمجال الذي يقترِن به، مهتدين بتحليلات ستانيسلاس بروطون له الذي يرى فيه تعاقَبُ قوى ثلاث فيه يرمز لها القناع والملاك والنّار وفي هذا السبيل الثالث سنقومُ بتشميل السبل السابقة بالنّظر لعلاقة كلّ تأدية لهذا الحرف بها.

3.1- تأدية الحرف "ميتا/meta"والمنعرج اللغوي/التناسب كمحايثة مضاعفة:

في شأن المنعرج اللغوي فإنّ الملاك هو المُعبّر عن الإستعارة-التناسب- وبالنّظر إلى سياقِنا فهو ال"نّفسه" الذي يتحرَّك بين مجالين دون أن ينتمي إلى أحدِهما مُستبعدا الآخر وبالنّظر إليها فهو "ليسَ هو" إلى كلِّ مِنهُما فهو أفقي (محايث) كما أنّه علوي (مُتعالٍ).

3.2- تأدية الحرف "ميتا/meta" والحياة : أمّا الحياة فيعبِّرُ عنها تأدية القناع (أو وضع الmetastasis) للحرفِ ميتا، من حيثُ تمنّعها على القبض والمُسائلة، وهذا عيني الكثرة والاختلاف الذي للمحايث والذي يبقي النزعة الإستكشافية للعلم التجريبي حيّة.

3.3- التأدية العامّة للحرف "ميتا/meta:

أمّا التأدية العامّة للحرف ميتا فهي أنّه قيمة تبادلية تأخذ بناصية الكُل لا تبقي ولا تذر، أشبه ما تكون بوعي حادٍ، وهذه التأدية توضِّح إلى أي حدٍّ يكون الموقف مِنَ الميتافيزيقا غيرَ فارق إذا ما نظرنا للإعلان الفلسفي لتنصيب العِلم التجريبي بإعتبارِه نزعَ السِّحر عنِ العالم مع ماكس فيبر، إذ في هذا التصريح تتبدّى القوى الثلاث للوظيفة ميتا بكلِّ يُسر، فالسّحر قناع ينتزع حتّى تتاح المساءلة والسيطرة في تناسبٍ مع إرادة السيطرة على الطبيعة وفي النهاية يأخذ بناصية الكُل بما في ذلك الميتافيزيقا ليحلَّ محلّها ككيفية لبلوغ الحقيقة.

خاتمة:
إنَّ استبقاءَ الميتافيزيقا ليس دفاعًا عن أطلالٍ، بل استعادةٌ لـنبضٍ ظنَّ دون تمحيص ميتًا، وهو يخفقُ في صميمِ حياتنا: في لغتنا المشترَكة، في جسدنا الحيِّ، في ثنايا "ميتا" التي تنسجُ تحوُّلاتِ التاريخ. فهي ساهرةٌ في صمتِ العقلِ، حاضرةٌ حتّى في إعلاناتِ موتِها. وما تهميش سؤال الميتافيزيقا حول الوجود والتشكيك في جدارته بأن يسأل عنه ومحاولة إستبداله بأسئلة أخرى بجديد ولا مُختلِف، بل بالنّظر إلى تصريح  أرسطو القائل "وأيضا فإن الذي لم يزل يطلب منذ دهرٍ وهو الآن مطلوب أبدا ويتحير فيه أبدا في ماهية الهوية هو الجوهر" فهُم سلَفا قَد كانوا شيئا وجَب على الميتافيزيقا أن تتغلَّب عليه لتوجَد، أي أنّهم يمثّلون ماضٍ لو لم يندثر ما وجدت الميتافيزيقا.

 وهذا خِتام مقبول لما لا خِتام له مِن غضون المُؤلَّف (الميتافيزيقا) الذي يُعدَّ عِند كثيرين الكِتاب الذي حاول رفع الميتافيزيقا إلى مرتبة العلم.