فرويد والأخلاق والتأويل

فرويد والأخلاق والتأويل

ترجمة: محمّد حسن إبراهيم.

المصدر: New Literary History، النّاشر: The Johns Hopkins University Press، سنة النّشر: خريف عام 1980.

 

في خِتَامِ مَقَالِهِ، وَهُوَ يَتَحَدَّثُ عَنِ الهَجَمَاتِ المُعَاصِرَةِ عَلَى التَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ مِنْ قِبَلِ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ إِلَى "تَأْوِيلِيتِهِ" أَوْ "تَفْكِيكِيتِهِ"، يُعَلِّقُ رِيجِيس دُورَانْد قَائِلًا: "ثَمَّةَ مَنْ يَرَى أَنَّ الثَّورَتَيْنِ الآيْنِشْتَايْنِيَّةَ وَالفْرُوِيدِيَّةَ، بَعِيدًا عَنْ تَقَادُمِهِمَا، لَمْ تُحَقِّقَا بَعْدُ كَامِلَ أَثْرِهِمَا، وَلَمْ تَتَرَسَّخَا تَمَامًا فِي أَنْمَاطِ تَفْكِيرِنَا." وَأَنَا أَجِدُ هَذَا الرَّأْيَ فِي غَايَةِ القُوَّةِ، عَلَى الأَقَلِّ فِيمَا يَخُصُّ الثَّوْرَةَ الفْرُوِيدِيَّةَ. كَمَا أُوَافِقُ دُورَانْد عَلَى أَنَّ ثَمَّةَ طَابِعًا "دِفَاعِيًّا" مُرِيبًا فِي كَثِيرٍ مِمَّا يُكْتَبُ حَدِيثًا عَنِ التَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ. لِذَا أُرِيدُ البَدْءَ بِتَوْسِيعَةِ كَلَامِهِ. فَمَا مَعْنَى القَوْلِ إِنَّ شَيْئًا مَا "لَمْ يَتَرَسَّخْ تَمَامًا فِي أَنْمَاطِ تَفْكِيرِنَا"؟

 

أَفْهَمُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَعْنِي أَنَّ طَرِيقَةً جَدِيدَةً لِوَصْفِ الأَشْيَاءِ (عَدَدٌ لَيْسَ هَيِّنًا مِنَ الأُمُورِ الجَلِيلَةِ) قَدْ صَارَتْ تَبْدُو حَتْمِيَّةً لَا غِنَى عَنْهَا، وَأَنَّ تَوَفُّرَ هَذِهِ المُفْرَدَاتِ الوَصْفِيَّةِ يُثِيرُ الشُّكُوكَ حَوْلَ مَا يُمْكِنُنَا الِاحْتِفَاظُ بِهِ مِنْ مُفْرَدَاتٍ قَدِيمَةٍ. إِنَّهُ يَعْنِي أَنَّنَا مَا نَزَالُ فِي مَرْحَلَةِ التَّوَجُّسِ مِنْ أَنَّ ثَمَّةَ أَمْرًا لَا بُدَّ أَنْ يَتَغَيَّرَ فِي أَسَالِيبِ كَلَامِنَا التَّقْلِيدِيَّةِ، دُونَ أَنْ نَتَبَيَّنَ بَعْدُ مَلَامِحَ هَذَا التَّغَيُّرِ.

 

فَلْنَتَأَمَّلْ بَعْضَ المُقَارَنَاتِ بَيْنَ الثَّوْرَةِ الكُوسْمُولُوجِيَّةِ الغَالِيلِيَّةِ-النِّيُوتُونِيَّةِ وَالثَّوْرَةِ الفْرُوِيدِيَّةِ. فَقَدْ تَبَيَّنَ فِي القَرْنِ السَّابِعَ عَشَرَ أَنَّهُ يُمْكِنُ تَصَوُّرُ مُعْظَمِ الأَشْيَاءِ بِمُصْطَلَحَاتِ "الجُسَيْمِيَّةِ" (corpuscularian)، كَمَادَّةٍ فِي حَرَكَةٍ. وَقَدْ أُدْرِكَ أَنَّ هَذَا يُثِيرُ إِشْكَالَاتٍ لِلْمُفْرَدَاتِ الدِّينِيَّةِ وَالأَخْلَاقِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ التَّقْلِيدِيَّةِ. لَكِنَّهُ اسْتَغْرَقَ زَمَنًا طَوِيلًا (المِئَتَيْ عَامٍ التَّالِيَةِ أَوْ نَحْوَهَا) لِيَظْهَرَ مَدَى فَائِدَةِ المُصْطَلَحِ الجَدِيدِ (مِنْ خِلَالِ أَعْمَالِ أَمْثَالِ دَالْتُونَ وَمِنْدَلْ). وَاسْتَغْرَقَ زَمَنًا مُمَاثِلًا لِيُقَرِّرَ النَّاسُ تَحْدِيدًا طَبِيعَةَ الإِشْكَالِ الَّذِي أَثَارَهُ، وَلِيُفَكِّرُوا فِي مَسَائِلَ مِثْلَ: هَلْ لَا نَزَالُ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ؟ هَلْ يُمْكِنُنَا قَوْلُ الشَّيْءِ نَفْسِهِ عَمَّا يَجْعَلُ الحَيَاةَ جَدِيرَةً بِالعَيْشِ؟ وَإِذَا لَمْ نَسْتَطِعْ، فَهَلْ يُمْكِنُنَا قَوْلُ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ؟ وَمَا نَزَالُ، رَغْمَ أَنَّ الثَّقَافَةَ "الرَّفِيعَةَ" قَدْ صَارَتْ شِبْهَ عِلْمَانِيَّةٍ بِالكَامِلِ، نُفَكِّرُ فِي بَعْضِ هَذِهِ المَسَائِلِ. وَأَقْتَرِحُ أَنَّهُ إِذَا صَمَدَتِ الثَّقَافَةُ الرَّفِيعَةُ، فَإِنَّنَا فِي سَبِيلِنَا إِلَى بَضْعَةِ قُرُونٍ أُخْرَى مِنَ التَّأَقْلُمِ مَعَ تَوَفُّرِ المُفْرَدَاتِ التَّحْلِيلِيَّةِ النَّفْسِيَّةِ. وَمَا نَزَالُ فِي بِدَايَةِ الطَّرِيقِ لِلإِجَابَةِ عَنِ السُّؤَالِ الجَوْهَرِيِّ الحَقِيقِيِّ الَّذِي أَثَارَتْهُ فْرُوِيدْ: هَلْ يُمْكِنُنَا التَّمَسُّكُ بِمِثَالِ "الإِنْسَانِيَّةِ" (humanity)، ذَلِكَ البَدِيلِ الدُّنْيَوِيِّ عَنِ الإِلَهِ الَّذِي صَاغَهُ لَنَا مُثَقَّفُو القَرْنَيْنِ الثَّامِنِ عَشَرَ وَالتَّاسِعَ عَشَرَ؟

 

ثَمَّةَ إِمْكَانِيَّةٌ دَائِمَةٌ أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ فْرُوِيدْ كَانَ بِدَايَةً خَاطِئَةً – فَعِنْدَمَا تَصِلُ النَّظَرِيَّةُ الجُسَيْمِيَّةُ (corpuscularianism) أَخِيرًا إِلَى البُنْيَةِ الدَّقِيقَةِ لِلجِهَازِ العَصَبِيِّ، قَدْ لَا نَعُودُ بِحَاجَةٍ إِلَى المُصْطَلَحَاتِ الفْرُوِيدِيَّةِ. فَقَدْ يَصِيرُ الحَدِيثُ عَنِ الأَصْدِقَاءِ وَالمُجْرِمِينَ بِاعْتِبَارِهِمْ "عَصَابِيِّينَ" بَدَلًا مِنْ "أَشْرَارٍ"، أَوِ الاعْتِمَادُ عَلَى عَمَلِيَّةِ النَّقْلِ (transference) لِإِعَادَةِ تَشْكِيلِ نَفْسِيَّاتِنَا، مُجَرَّدَ مَرَاحِلَ انْتِقَالِيَّةٍ. رُبَّمَا، بَعْدَ قَرْنٍ مِنَ الزَّمَانِ، سَتَنْتَهِي العَصَابَاتُ بِمَصِيرِ الفِيزِيَاءِ الأَرِسْطِيَّةِ (Aristotelian physics) – أَيْ أَنْ تُسْتَبْدَلَ بِمُصْطَلَحَاتٍ أَكْثَرَ فَائِدَةً. قَدْ يَحْدُثُ هَذَا بِطَرِيقَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ تُحْفَظَ المُصْطَلَحَاتُ الكِيمِيَاوِيَّةُ وَتُوَسِّعَ الصُّورَةَ الفْرُوِيدِيَّةَ، أَوْ أَنْ تُوضَعَ جَانِبًا بِبَسَاطَةٍ.

 

فِي السِّينَارْيُو الأَوَّلِ، سَيَكُونُ مَوْقِفُ عُلَمَاءِ الفِسْيُولُوجِيَا فِي المُسْتَقْبَلِ مِنْ فْرُوِيدْ، كَمَوْقِفِ دَالْتُونَ وَمِنْدَلْ مِنْ نْيُوتُنْ – مُؤَكِّدِينَ وَعَمَّقُوا الخُطُوطَ العَامَّةَ لِلصُّورَةِ الَّتِي رَسَمَهَا فْرُوِيدْ. وَفِي الثَّانِي، سَيَظْهَرُ فْرُوِيدْ كـ بَارَاسِيلْسُوسْ (Paracelsus) بَدَلًا مِنْ نْيُوتُنْ. (كَانَتْ فِكْرَةُ بَارَاسِيلْسُوسْ عَنِ الأَدْوِيَةِ المُرَكَّبَةِ كِيمِيَائِيًّا فِكْرَةً جَيِّدَةً، لَكِنْ لِلْأَسَفِ، لَمْ تَنْجَحْ أَيُّ مِنْ تَرْكِيبَاتِهِ إِلَّا بِالصِّدْفَةِ البَحْتَةِ فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ).

 

غَيْرَ أَنَّهُ فِي أَيٍّ مِنْ هَذَيْنِ السِّينَارْيُوهَيْنِ، سَتَبْرَزُ نَفْسُ المَسْأَلَةِ: هَلْ يُمْكِنُ لـ "الإِنْسَانِيَّةِ (humanity) " أَنْ تَبْقَى مَرْجِعًا أَخْلَاقِيًّا بِمُجَرَّدِ أَنْ تُجَرَّدَ – إِذَا جَازَ التَّعْبِيرُ – يَنَابِيعُ السُّلُوكِ البَشَرِيِّ مِنْ صِبْغَتِهَا الأَخْلَاقِيَّةِ؟ هَلْ يُمْكِنُنَا التَّعَايُشُ مَعَ مُصْطَلَحَاتٍ لِلتَّنَبُّؤِ بِالسُّلُوكِ البَشَرِيِّ وَالتَّحَكُّمِ فِيهِ لَا تَتَدَاخَلُ مَعَ مُصْطَلَحَاتِ التَّدَاوُلِ الأَخْلَاقِيِّ المَأْلُوفَةِ؟ هَذِهِ المَسْأَلَةُ مَأْلُوفَةٌ لِأَيِّ مُحَلَّلٍ نَفْسِيٍّ يَجِدُ نَفْسَهُ مُضْطَرًّا لِلتَّبْدِيلِ بَيْنَ التَّفْكِيرِ فِي مُعْضَلَةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ وَمُحَاوَلَةِ تَخْمِينِ مَا سَيَقُولُهُ مُحَلِّلُهُ عَنْ سَبَبِ اتِّخَاذِهِ لِقَرَارٍ دُونَ الآخَرِ. لَكِنَّهَا لَنْ تَكُونَ أَقَلَّ إِلْحَاحًا لِمَرِيضِ المُسْتَقْبَلِ، الَّذِي قَدْ يَتَسَاءَلُ عَمَّا إِذَا كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى نَصِيحَةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ أَمْ إِلَى حُقْنَةٍ.

 

لَا يُمْكِنُ حَلُّ هَذِهِ الأَسْئِلَةِ بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ "الكَائِنِ" وَ"الوَاجِبِ"، أَوْ بَيْنَ الأَسْبَابِ وَالمُبَرِّرَاتِ. فَإِيجَادُ مُبَرِّرَاتٍ جَيِّدَةٍ لِلْفِعْلِ يَتَطَلَّبُ، كَخُطْوَةٍ أُولَى، إِيجَادَ وَصْفٍ جَيِّدٍ لِلذَّاتِ وَلِلْمَوْقِفِ. لَا يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ عَزْلُ فِسْيُولُوجِيَا نَفْسِهِ النَّفْسِيَّةِ عَنْ أَخْلَاقِهِ، تَمَامًا كَمَا لَا يُمْكِنُهُ عَزْلُ كُوسْمُولُوجِيَتِهِ.

 

لَقَدْ صَاغَ المُثَقَّفُونَ العِلْمَانِيُّونَ فِي القَرْنِ التَّاسِعَ عَشَرَ أَخْلَاقًا صُمِّمَتْ لِتَكُونَ مُتَوَافِقَةً مَعَ كُوسْمُولُوجِيَا جُسَيْمِيَّةٍ (corpuscularian cosmology) . وَارْتَكَزَتْ عَلَى مِثَالِ "التَّقَدُّمِ البَشَرِيِّ" – وَهُوَ المِثَالُ الَّذِي مَا زَالَ سَلِيمًا فِي، عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ، اليُوتُوبِيَاتِ (utopias)الخَيَالِ العِلْمِيِّ (science fiction) ، وَكَذَلِكَ فِي الخِطَابِ السِّيَاسِيِّ لِلدُّوَلِ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ البَاقِيَةِ. تَمَحْوَرَتْ هَذِهِ الأَخْلَاقِيَّةُ حَوْلَ اسْتِبْدَالِ مَحَبَّةِ اللهِ بِمَحَبَّةِ الحَقِيقَةِ العِلْمِيَّةِ، وَالحُرِّيَّةِ الفِكْرِيَّةِ الَّتِي تَجْعَلُ البَحْثَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الحَقِيقَةِ مُمْكِنًا. وَقَدْ أُخِذَ تَخْفِيفُ المَعَانَاةِ البَشَرِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ مُلَازِمَةٌ حَتْمِيَّةٌ (inevitable concomitant) لاَكْتِشَافِ هَذِهِ الحَقِيقَةِ، تَمَامًا كَمَا أُخِذَتْ فَضِيلَةُ الإِحسَان الكَرَازِيَّ/الدَّعَويَّ/المُبَشِّر (charity) ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى أَنَّهَا المُلَازِمَةُ الحَتْمِيَّةُ لِمَحَبَّةِ اللهِ.

 

مَا فَعَلَهُ فْرُوِيدْ بِهَذِهِ الأَخْلَاقِيَّةِ هُوَ أَنَّهُ جَعَلَ الحُبَّ نَفْسَهُ مَوْضِعَ شَكٍّ أَخْلَاقِيٍّ – حُبُّ الحَقِيقَةِ لَدَى هَكْسْلِي (Huxley) وَفْرُوِيدْ نَفْسِهِ بِقَدْرِ حُبِّ جِيرَارْد هُوبْكِنْزْ (Gerard Hopkins) لِمَرْيَمَ، أَوْ حُبِّ أَخِيلْ (Achilles) لـ بَاتْرُوكْلُسْ (Patroclus) ، أَوْ حُبِّ سْوِيفْتْ (Swift) لـ سْتِيلَا (Stella) وَلِلْحُرِّيَّةِ البَشَرِيَّةِ. وَهَذِهِ الشَّكُّوكِيَّةُ سَتَبْقَى بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ أَيِّ سِينَارْيُو يَتَحَقَّقُ – سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُصْطَلَحَاتُ فْرُوِيدْ نَفْسِهَا قَدْ رُفِعَتْ وَحُوفِظَ عَلَيْهَا (aufgehoben) أَمْ وُضِعَتْ جَانِبًا. لِأَنَّ فْرُوِيدْ لَمْ يَقْتَرِحْ فَقَطْ، بِطَرِيقَةٍ مُجَرَّدَةٍ وَهَازِئَةٍ عَلَى طَرِيقَةِ هُوبْزْ (Hobbes) أَوْ سْكِينِرْ (Skinner) ، أَنَّ الحُبَّ مُجَرَّدُ حَرَكَةٍ جُسَيْمِيَّةٍ. لَقَدْ طَبَّقَ التَّفْسِيرَاتِ المِيكَانِيكِيَّةَ (mechanistic) عَلَى تَفَاصِيلَ حَيَاتِنَا العَاطِفِيَّةِ. وَلَنْ تَعُودَ تِلْكَ الحَيَاةُ كَمَا كَانَتْ، حَتَّى لَوْ جَرَى إِبْعَادُ آلِيَّاتِ فْرُوِيدْ جَانِبًا بِفَضْلِ آلِيَّاتٍ أُخْرَى.

 

وَلَنْ يَعُودَ أَدَبُنَا كَمَا كَانَ أَيْضًا. فَالعَلَاقَةُ الَّتِي يُشِيرُ إِلَيْهَا بْرُويرْ (Breuer) وَغْرِينْ (Green) بَيْنَ التَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ وَالأَدَبِ الحَدَاثِيِّ (modernist) ، أَيْ الأَدَبِ الَّذِي يَبْدُو دَائِمًا عَلَى وَشَكِ تَفْكِيكِ ذَاتِهِ بِالسُّخْرِيَّةِ الذَّاتِيَّةِ (ironizing) حَتَّى الِاخْتِفَاءِ، تَبْدُو لِي المُشْكِلَةَ المَرْكَزِيَّةَ الَّتِي تُثِيرُهَا أَوْرَاقُ هَذَا العَدَدِ. يُمْكِنُ صِيَاغَةُ المُشْكِلَةِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: هَلْ يُمْكِنُ لِلْأَدَبِ أَنْ يَحْتَفِظَ بِوَظِيفَتِهِ كَأَدَاةٍ لِلْأَخْلَاقِ العِلْمَانِيَّةِ الآنَ وَقَدْ جَعَلَ فْرُوِيدْ مَحَبَّةَ الإِنْسَانِيَّةِ وَالحَقِيقَةِ – اللَّتَيْنِ كَانَتَا مَحْوَرِيَّتَيْنِ فِي تِلْكَ الأَخْلَاقِيَّةِ – مَوْضِعَ سُخْرِيَةٍ؟ هَلْ يُمْكِنُ، عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ، لِرِوَايَاتِ الأَمَلِ الاجْتِمَاعِيِّ العِلْمَانِيِّ وَالشَّجَاعَةِ الأَخْلَاقِيَّةِ العِلْمَانِيَّةِ أَنْ تَصْمُدَ أَمَامَ الأَوْصَافِ الفْرُوِيدِيَّةِ لِأَبْطَالِهَا؟ هَلْ يُمْكِنُ لِأَيِّ شَخْصٍ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا كَتَبَتْ جُورْج إِلْيُوتْ (George Eliot) أَوْ هَنْرِي جِيمْسْ (Henry James) بِمُجَرَّدِ أَنْ يُصْبِحَ لَدَيْهِ مُصْطَلَحَاتٌ فْرُوِيدِيَّةٌ فِي ذِهْنِهِ؟

 

هَذَا السُّؤَالُ الأَخِيرُ يَبْدُو لِي النَّظِيرَ المُعَاصِرَ لِتَسَاؤُلِ رِجَالِ الدِّينِ الفِيكْتُورِيِّينَ، الَّذِينَ تَسَاءَلُوا عَمَّا إِذَا كَانَ بِإِمْكَانِهِمُ الِاسْتِمْرَارُ فِي كِتَابَةِ المَوَاعِظِ كَمَا كَتَبَهَا أَسْلَافُهُمْ فِي القَرْنِ الثَّامِنِ عَشَرَ، وَهُمْ يَعْرِفُونَ مَا يَعْرِفُونَهُ الآنَ عَنْ أَصْلِ الإِنْسَانِ (descent of man . فَالرِّوَايَةُ تُؤَدِّي فِي الأَخْلَاقِ العِلْمَانِيَّةِ وَظِيفَةَ المَوْعِظَةِ فِي الأَخْلَاقِ الدِّينِيَّةِ. إِنَّهَا الوَسِيلَةُ الرَّئِيسَةُ لِرَبْطِ المَبَادِئِ وَالمُثُلِ المُجَرَّدَةِ بِالمُنَاسَبَاتِ وَالحَيَاةِ الخَاصَّةِ. وَهِيَ أَيْضًا الوَسِيلَةُ الرَّئِيسَةُ لِلتَّرْبِيَةِ الأَخْلَاقِيَّةِ، وَالمَكَانُ الَّذِي يُمْكِنُ لِلشَّبَابِ أَنْ يَجِدُوا فِيهِ أَوْصَافًا لِأَنْفُسِهِمْ. إِذَا كَانَ، كَمَا يَقُولُ بْرُويرْ، "لَا يُمْكِنُ لِأَدَبِ اليَوْمِ بَعْدَ الآنَ... أَنْ يَكُونَ 'إِيجَابِيًّا' دُونَ أَنْ يُصْبِحَ غَيْرَ صَادِقٍ"، فَمِنْ غَيْرِ الوَاضِحِ أَنَّ الأَدَبَ يُمْكِنُهُ بَعْدَ الآنَ أَنْ يُؤَدِّيَ وَظِيفَةً أَخْلَاقِيَّةً، إِلَّا فِي تَوْفِيرِ تَدْرِيبٍ عَلَى كَيْفِيَّةِ العَيْشِ كَسَاخِرٍ (ironist) .

 

يُمْكِنُ أَيْضًا طَرْحُ مَسْأَلَةِ مَا إِذَا كَانَ الأَدَبُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِيجَابِيًّا بَعْدَ الآنَ – وَمَا إِذَا كَانَ سَيَمُوتُ، أَوْ يَتَحَوَّلُ إِلَى شَيْءٍ لَا يُمْكِنُ التَّعَرُّفُ عَلَيْهِ – عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: فِي ضَوْءِ عَدَمِ الثِّقَةِ السَّائِدِ بَيْنَ المُثَقَّفِينَ المُعَاصِرِينَ فِي الأَخْلَاقِ العِلْمَانِيَّةِ اللِّيبِرَالِيَّةِ لِلْقَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ، هَلْ لَا يَزَالُ بِإِمْكَانِهِمْ أَنْ يَأْخُذُوا الأَعْمَالَ الأَدَبِيَّةَ لِلْقَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ، مِنَ النَّوْعِ غَيْرِ السَّاخِرِ نِسْبِيًّا، عَلَى مِحْمَلِ الجِدِّ؟ هَلْ لَا يَزَالُ بِإِمْكَانِهِمْ، عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ، أَنْ يَتَحَرَّكُوا عَاطِفِيًّا بِرِوَايَاتٍ عَنْ أُنَاسٍ يَسْتَسْلِمُونَ، أَوْ لَا يَسْتَسْلِمُونَ، لِإِغْرَاءَاتٍ أَخْلَاقِيَّةٍ تَقْلِيدِيَّةٍ؟ إِنَّ الصِّرَاعَ الدَّائِرَ حَالِيًّا فِي الأَوْسَاطِ الأَدَبِيَّةِ الأَمْرِيكِيَّةِ بَيْنَ رِوَائِيِّينَ تَقْلِيدِيِّينَ أَقْوِيَاءَ يَرْوُونَ القَصَصَ وَنُقَّادٍ سَاخِرِينَ، هُوَ عَرَضٌ عَلَى عَدَمِ قُدْرَةِ المُثَقَّفِينَ عَلَى أَخْذِ مِثْلِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ عَلَى مِحْمَلِ الجِدِّ كَشَهَادَاتٍ أَخْلَاقِيَّةٍ. إِنَّهُمْ يَسْتَخْرِجُونَ مِنْهَا الغُمُوضَ (ambiguity) وَ التَّنَاصِّيَّةَ (intertextuality) وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ لَا يُعْتَرِفُونَ حَقًّا بِالأَخْلَاقِيَّةِ كَشَكْلٍ مُمْكِنٍ مِنْ أَشْكَالِ الحَيَاةِ. فَالْأَخْلَاقِيَّةُ الدِّينِيَّةُ تَبْدُو غَيْرَ مُمْكِنَةٍ، وَكَذَلِكَ الْأَخْلَاقِيَّةُ العِلْمَانِيَّةُ اللِّيبِرَالِيَّةُ، وَلَمْ تَظْهَرْ بَدِيلَةٌ ثَالِثَةٌ بَعْدُ. المُشْكِلَةُ هِيَ أَنَّ الحُبَّ (وَبِالتَّالِي الشَّجَاعَةَ وَالجُبْنَ، وَالتَّضْحِيَةَ وَالأَنَانِيَّةَ) يَبْدُو مُخْتَلِفًا بَعْدَ قِرَاءَةِ فْرُوِيدْ. لَا يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِأَنَّنَا تَعَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا يُوجَدُ شَيْءٌ كَهَذَا، بَلْ بِأَنَّهُ جَرَى وَصْفُهُ بِطُرُقٍ تَجْعَلُ مِنَ الصَّعْبِ اسْتِخْدَامُ المَفْهُومِ فِي التَّفْكِيرِ الأَخْلَاقِيِّ.

 

مَرَّةً أُخْرَى، يَبْدُو لِي أَفْضَلَ تَشْبِيهٍ هُوَ مَوْقِفُ القَرْنِ السَّابِعِ عَشَرَ مِنَ الكِتَابَاتِ الدِّينِيَّةِ فِي القَرْنِ السَّادِسِ عَشَرَ. " الفَلْسَفَةُ الجَدِيدَةُ (The new philosophy) تُثِيرُ الشَّكَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ"، رَغْمَ أَنَّهَا لَا تَنْفِي أَوْ تُبْطِلُ تَمَامًا. لَمْ تَقُلْ العُلُومُ الجَدِيدَةُ (The New Science) فِي القَرْنِ السَّابِعِ عَشَرَ، وَلَا التَّحْلِيلُ النَّفْسِيُّ فِي قَرْنِنَا، أَنَّ مَا كَانَ يُعْتَقَدُ فِي المَاضِي بَاطِلٌ. لَكِنَّهَا جَعَلَتْ مِنَ الضَّرُورِيِّ قَوْلَهُ، أَوِ الإِيمَانَ بِهِ، مَعَ اخْتِلَافٍ. الأَدَبُ الحَدَاثِيُّ هُوَ أَدَبٌ يَبْحَثُ عَنِ الِاخْتِلَافِ الَّذِي جَعَلَهُ التَّحْلِيلُ النَّفْسِيُّ ضَرُورِيًّا. إِنَّهُ مُحَاوَلَةٌ لِتَشْكِيلِ ضَمِيرٍ لِلْمُثَقَّفِ مَا بَعْدَ الفْرُوِيدِيِّ. فِي المُقَابِلِ، فَإِنَّ الكُتَّابَ وَالنُّقَّادَ الَّذِينَ يُنْتِجُونَ أَوْ يَطْلُبُونَ قِصَصًا مَحْكِيَّةً عَنِ الصِّرَاعَاتِ الأَخْلَاقِيَّةِ لِأُنَاسٍ حَقِيقِيِّينَ، يُفَضِّلُونَ (وَيَحْصُلُونَ عَادَةً) عَلَى جُمْهُورٍ لَمْ يَقْرَأْ لِفْرُوِيدْ (نَاهِيكَ عَنْ نِيتْشِهْ (Nietzsche) ). مِثْلُ هَؤُلَاءِ الكُتَّابِ وَالجُمْهُورِ يُرِيدُونَ فِي إِبْعَادِ عِلْمِ النَّفْسِ العَمِيقِ (depth psychology)** وَالفَلْسَفَةِ بَعِيدًا عَنِ الأَدَبِ. إِنَّهُمْ يَشْعُرُونَ، بِشَكْلٍ صَحِيحٍ، أَنَّ الأَنْوَاعَ الأَدَبِيَّةَ فِي القَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ تَعْتَمِدُ عَلَى فَصْلِ الِابْتِكَارِ الأَدَبِيِّ عَنْ كِلٍّ مِنَ النَّقْدِ الأَدَبِيِّ وَالتَّأَمُّلِ الفَلْسَفِيِّ. خُصُومُهُمُ الحَدَاثِيُّونَ هُمُ الأَشْخَاصُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ ابْتِكَارَ أَنْوَاعٍ – أَوْ، بِشَكْلٍ أَفْضَلَ، نَوْعٍ وَاحِدٍ جَدِيدٍ شَامِلٍ – يُمْكِنُ فِيهِ لِلنَّاقِدِ أَنْ يَكُونَ مُبْتَكِرًا بِقَدْرِ الرِّوَائِيِّ، وَلِلْفَلْسَفِيِّ أَنْ يَكُونَ غِنَائِيًّا (lyrical) بِقَدْرِ الشَّاعِرِ، وَلِنَظَرِيِّ التَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ أَنْ يَكُونَ فَلْسَفِيًّا بِقَدْرِ الأَخْلَاقِيِّ. الهَدَفُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ الجَدِيدِ الضَّبَابِيِّ (fuzzy) (الَّذِي تَبْدُو لِي وَرَقَةُ بْلَوْ (Blau) الرَّائِعَةُ مِثَالًا جَيِّدًا عَلَيْهِ) هُوَ خَلْقُ أَخْلَاقِيَّةٍ جَدِيدَةٍ، أَوْ عَلَى الأَقَلِّ شَيْءٍ يَحْمِلُ نَفْسَ عِلَاقَةِ الخِلَافَةِ لِلْأَخْلَاقِيَّةِ الَّتِي حَمَلَتْهَا اللِّيبِرَالِيَّةُ العِلْمَانِيَّةُ تِجَاهَ المَسِيحِيَّةِ الأُرْثُوذُكْسِيَّةِ. هَذِهِ الأَخْلَاقِيَّةُ الجَدِيدَةُ، أَوْ شِبْهُ الأَخْلَاقِيَّةِ، سَتُوَفِّرُ لَنَا مَا نُعَارِضُ بِهِ صُورَةَ لُورَانْسْ (Lawrence) لِلْمُثَقَّفِ الحَدِيثِ بِأَنَّهُ "يَسْبَحُ كَالْفَأْرِ فِي نَهْرِ الفَسَادِ، تَمَامًا حَيْثُ يَسْقُطُ فِي الهَاوِيَةِ السَّحِيقَةِ"، وَإِجَابَةً مُتَفَائِلَةً عَلَى سُؤَالِ دُورَانْدَ: "هَلْ نَحْنُ أَيْضًا نَسْبَحُ مَعَ تَيَّارِ العَصْرِ، نُحَاوِلُ فَقَطَ التَّأَخُّرَ عَلَى حَافَّةِ الِانْحِلَالِ لِفَتْرَةٍ كَافِيَةٍ لِنُغْزِلَ دَوَّامَتَنَا الخِطَابِيَّةَ الصَّغِيرَةَ، وَنُبَلِّغَ بَقِيَّةَ القَطِيعِ؟"

 

لَا أَعْرِفُ مَا إِذَا كَانَتْ هَذِهِ المُحَاوَلَةُ سَتَنْجَحُ – وَمَا إِذَا كَانَ هَذَا النَّوْعُ الجَدِيدُ سَيَصْبِحُ فِي النِّهَايَةِ تَقْلِيدًا وَمَصْدَرًا لِلتَّرْبِيَةِ الأَخْلَاقِيَّةِ. قَدْ يَكُونُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ هُنَاكَ بَطَلَاتٌ وَأَبْطَالٌ يَكُونُونَ فِي نَفْسِ الوَقْتِ سَاخِرِينَ وَعُشَّاقًا. أَوْ قَدْ يَكُونُ أَنَّنَا، دُونَ أَنْ نُدْرِكَ تَمَامًا، نَعِيشُ بِالفِعْلِ بَيْنَ مِثْلِ هَؤُلَاءِ الأَبْطَالِ وَالبَطَلَاتِ. (أَحْيَانًا شَخْصِيَّاتٌ خَيَالِيَّةٌ؛ وَأَحْيَانًا، رُبَّمَا، حَتَّى شَخْصِيَّاتٌ حَقِيقِيَّةٌ). لَكِنِّي أَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لَنَا التَّمْيِيزُ بَيْنَ جَعْلِ مِثْلِ هَذِهِ الحَيَاةِ البَطُولِيَّةِ مُمْكِنَةً مِنْ خِلَالِ اسْتِيعَابِ التَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ فِي وَعْيِنَا الأَخْلَاقِيِّ، مِنْ نَاحِيَةٍ، وَبَيْنَ تَقْدِيمِ تَفْسِيرٍ لِمَا فَعَلَهُ فْرُوِيدْ، وَلِمَا هُوَ التَّحْلِيلُ النَّفْسِيُّ، مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى. الأَوْرَاقُ الَّتِي أُرِيدُ مُنَاقَشَتَهَا هِيَ تِلْكَ الَّتِي تُحَاوِلُ، أَوْ تَتَنَاوَلُ، هَذِهِ المَهَمَّةَ الأَخِيرَةَ.

 

يَبْدُو لِي أَنَّ مُحَاوَلَاتٍ مِثْلَ مُحَاوَلَاتِ شَافِرْ (Schafer) وَوُولْفْ (Wolf) "لِنَزْعِ الصِّبْغَةِ الإِيجَابِيَّةِ" أَوْ "لِإِضْفَاءِ الطَّابَعِ الإِنْسَانِيِّ" أَوْ "لِتَأْوِيلِيَّتِ" التَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ، وَكَذَلِكَ مُحَاوَلَاتٌ مِثْلَ مُحَاوَلَةِ بَاكْ (Buck) لِنَسْجِ المَفَاهِيمِ التَّحْلِيلِيَّةِ النَّفْسِيَّةِ وَالنَّقْدِيَّةِ مَعًا، هِيَ أَجْزَاءٌ مِنْ مُحَاوَلَةٍ أَوْسَعَ "لِوَضْعِ" التَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ فِي مَكَانِهِ، لِتَجَاوُزِهِ وَإِبْعَادِهِ. أَنَا أَشُكُّ بَعْضَ الشَّيْءِ فِي مِثْلِ هَذِهِ المُحَاوَلَاتِ، لِأَنِّي أَعْتَقِدُ أَنَّ التَّحْلِيلَ النَّفْسِيَّ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُسْتَخْدَمَ بَدَلًا مِنْ أَنْ يُتَجَاوَزَ. نَحْنُ بِحَاجَةٍ إِلَى الاقْتِرَابِ مِنْهُ بَدَلًا مِنْ إِبْعَادِهِ، لِلْعَيْشِ بِمُصْطَلَحَاتِهِ بَدَلًا مِنْ تَرْجَمَةِ تِلْكَ المُصْطَلَحَاتِ إِلَى مُصْطَلَحَاتٍ أُخْرَى أَقَلَّ تَحْدِيدًا وَأَكْثَرَ سُمُوًّا. لِتَمْدِيدِ التَّشْبِيهِ الَّذِي كُنْتُ أَصِرُّ عَلَيْهِ خُطْوَةً أُخْرَى، تُشْبِهُ هَذِهِ المُحَاوَلَاتُ مُحَاوَلَاتِ المِثَالِيِّينَ (idealists) مِثْلَ بِيرْكْلِي (Berkeley)وَكَانْطْ (Kant) وَرُوَيْسْ (Royce) ، وَ "فَلَاسِفَةِ العَمَلِيَّةِ (process) مِثْلَ بِيرْجْسُونْ (Bergson) وَوَايْتْهَدْ (Whitehead) ، لِلْهَرَبِ مِنْ تَدَاعِيَاتِ عَلْمَنَةِ (secularizing) الكُوسْمُولُوجِيَا الفِيزِيَائِيَّةِ النِّيُوتُونِيَّةِ (Newtonian physicalistic cosmology) مِنْ خِلَالِ إِبْعَادِ مُصْطَلَحَاتِ العُلُومِ الفِيزِيَائِيَّةِ. تَعَامَلَ المِثَالِيُّونَ مَعَ تِلْكَ المُصْطَلَحَاتِ عَلَى أَنَّهَا "تُحَدِّثُ مَعَ العَامَّةِ" أَوْ "ظَاهِرِيَّةٌ فَقَطْ"؛ وَتَعَامَلَ "فَلَاسِفَةُ العَمَلِيَّةِ" مَعَهَا عَلَى أَنَّهَا مُجَرَّدُ اسْتِكْشَافِيَّةٍ (heuristic) ، كَمَجْمُوعَةٍ مِنَ التَّجْرِيدَاتِ الَّتِي تُوَفِّرُ أَدَوَاتٍ تَدَاوُلِيَّةٍ مُلَائِمَةٍ. لَمْ يَأْخُذْ أَيٌّ مِنْهُمْ هَذِهِ المُصْطَلَحَاتِ عَلَى مِحْمَلِ الجِدِّ، كَكَلِمَاتٍ يَجِبُ العَيْشُ بِهَا وَاسْتِخْدَامُهَا، مُصْطَلَحَاتٍ سَيَتَعَيَّنُ عَلَى مُصْطَلَحَاتٍ أُخْرَى أَنْ تَتَنَاغَمَ مَعَهَا. لَقَدْ تَمَّ تَحْقِيقُ التَّنَاغُمِ الضَّرُورِيِّ مِنْ قِبَلِ العِلْمَانِيِّينَ الصَّرِيحِينَ وَغَيْرِ المِيتَافِيزِيقِيِّينَ – أُنَاسٌ مِثْلَ فُوِيرْبَاخْ (Feuerbach) وَ أَرْنُولْدْ (Arnold وَمِيلْ (Mill) وَزُولَا (Zola) وَهَكْسْلِي (Huxley) وَ إِنْجِلْزْ (Engels) وَدُوِي (Dewey) وَدْرَايْزِرْ (Dreiser) . هَؤُلَاءِ هُمُ الأَشْخَاصُ الَّذِينَ وَجَدُوا طُرُقًا لِلتَّحَلِّي بِالأَخْلَاقِ بِدُونِ اللهِ، وَالَّذِينَ قَامُوا بِالعَمَلِ الحَقِيقِيِّ. أَمَّا الأَشْخَاصُ الَّذِينَ حَاوَلُوا اخْتِرَاعَ إِلَهٍ مُصَغَّرٍ يُمْكِنُهُ التَّعَايُشُ مَعَ آلِيَّةِ العَالَمِ النِّيُوتُونِيَّةِ (Newtonian world-machine) ، أَوِ الَّذِينَ حَاوَلُوا الحَطَّ مِنَ المَكَانَةِ " المَعْرِفِيَّةِ (epistemological) " أَوْ " المِيتَافِيزِيقِيَّةِ (metaphysical)" لِتِلْكَ الآلِيَّةِ، فَلَمْ يَكُونُوا سَوَى مُتَدَخِّلِينَ مُفِيدِينَ (useful kibitzers) عَلَى الهَامِشِ. لِسُوءِ الحَظِّ، اعْتَقَدُوا أَنَّهُمْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. نَحْنُ المُتَدَخِّلِينَ (kibitzers) المُعَاصِرِينَ حَوْلَ التَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ وَالأَدَبِ لَا يَنْبَغِي أَنْ نَرْتَكِبَ الخَطَأَ نَفْسَهُ.

 

إِنَّ مَا يُسَمِّيهِ دُورَانْدَ " التَّفْكِيكَ القَاسِيَ" (the ruthless undoing) لِلنَّمَاذِجِ الَّتِي سَاعَدَتْنَا عَلَى فَهْمِ ثَقَافَتِنَا (التَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ، الِاقْتِصَادِ السِّيَاسِيِّ (political economy)، السِّيمِيَائِيَّاتِ (semiotics)"يُشَجِّعُنَا عَلَى الِاعْتِقَادِ بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّدَخُّلِ التَّفْكِيكِيِّ (deconstructive kibitzing) هُوَ أَمْرٌ أَكْبَرُ مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ فِي الوَاقِعِ. لَكِنَّ المَهَمَّةَ الوَحِيدَةَ الَّتِي يُمْكِنُهَا أَدَاؤُهَا هِيَ مَهَمَّةٌ سَلْبِيَّةٌ: إِعْطَاءُ إِحْسَاسٍ بِـ التَّارِيخِيَّةِ (historicity) وَ العَرَضِيَّةِ (transience) ، وَالطَّابَعِ العَرَضِيِّ العَامِّ (general chanciness) لِجَمِيعِ المُصْطَلَحَاتِ (بِمَا فِيهَا مُصْطَلَحَاتُ فْرُوِيدْ). لَا تُمْكِنُهَا تَجَاوُزُ هَذِهِ المُصْطَلَحَاتِ أَوْ وَضْعُهَا فِي سِيَاقٍ أَوْسَعَ. لَا تُمْكِنُهَا مُسَاعَدَتُنَا فِي الإِجَابَةِ عَلَى سُؤَالِ دُورَانْدَ ذِي الطَّابَعِ اللُّورَانْسِيِّ مِنْ خِلَالِ مَنْحِنَا، مَرَّةً أُخْرَى، ضَمِيرًا.

 

دَعُونِي الآنَ أُوَضِّحُ هَذِهِ الشُّكُوكَ مِنْ خِلَالِ ذِكْرِ بَعْضِ الأَمْثِلَةِ:

 

يَقُولُ إِرْنِسْت وُولْفْ (Ernest Wolf) : "وَفْقًا لِفْرُوِيدْ، يُولَدُ الإِنْسَانُ عَاجِزًا نِسْبِيًّا، مَعَ غَرَائِزَ خَطِيرَةٍ، وَخَاصَّةً مَيْلَاتِهِ الجِنْسِيَّةَ وَالعُدْوَانِيَّةَ، الَّتِي يَجِبُ عَلَى المُجْتَمَعِ تَرْوِيضُهَا أَوْ يَهْلَكُ؛ يُشْتَرَى الحَضَارَةُ (civilization is bought) بِثَمَنِ العَصَابِ. كُوهُوتْ (Kohut) ، فِي المُقَابِلِ، يَرَى الإِنْسَانَ يُولَدُ مُسْتَعِدًّا لِمُوَاجَهَةِ مُحِيطِهِ فِي حِوَارٍ نَشِطٍ يَخْلُقُ الإِنْسَانُ مِنْ خِلَالِهِ ذَاتَهُ كَجُزْءٍ مِنَ العَالَمِ وَيَخْلُقُ العَالَمَ كَجُزْءٍ مِنْ ذَاتِهِ." هَذَا يَبْدُو تَنَاقُضًا زَائِفًا (false antithesis) . إِنَّ وَصْفَ وُولْفَ لِرُؤْيَةِ كُوهُوتْ هُوَ وَصْفٌ لِأَقَلِّ قَاسِمٍ مُشْتَرَكٍ لِلْكَثِيرِ مِنَ الفِكْرِ الكَانْطِيِّ الجَدِيدِ (neo-Kantian) مِثْلَ كَاسِيرِرْ (Cassirer)،جُودْمَانْ (Goodman). عَلَى مُسْتَوَى التَّجْرِيدِ الَّذِي يَعْمَلُ فِيهِ هَذَا الفِكْرُ، يُمْكِنُ لِفْرُوِيدْ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ إِنَّنَا نَخْلُقُ ذَوَاتِنَا كَجُزْءٍ مِنَ العَالَمِ، وَالعَكْسُ صَحِيحٌ. يُبَالِغُ وُولْفَ عِنْدَمَا يَقُولُ، عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ: "إِنَّ التَّزَامَ فْرُوِيدْ الكَامِلَ بِالحَقِيقَةِ كَأَعْلَى القِيَمِ جَمِيعًا مَنَعَهُ مِنْ حِصَادِ غِنَى بَصِيرَتِهِ فِي العَمَلِيَّةِ الإِبْدَاعِيَّةِ بِالكَامِلِ. لِأَنَّهُ لَمْ يُقَدِّرْ بِوَضُوحٍ أَنَّ الوَهْمَ الطُّفُولِيَّ (the infantile illusion) كَانَ، فِي الوَاقِعِ، وَاقِعًا، أَيْ الوَاقِعَ النَّفْسِيَّ لِلرَّضِيعِ، وَاقِعًا ضَرُورِيًّا تَمَامًا لِإِنْشَاءِ الذَّاتِ المُتَمَاسِكَةِ لِلطِّفْلِ بِشَكْلٍ رَاسِخٍ." بِهَذَا المَعْنَى الكَانْطِيِّ، الظَّاهِرَاتِيِّ (phenomenal) لـ "الوَاقِعِ"، يُمْكِنُ لِفْرُوِيدْ أَنْ يَقْبَلَ بِوَصْفِ كُوهُوتْ بِسُرُورٍ. لَكِنْ عَلَى هَذَا المُسْتَوَى مِنَ التَّجْرِيدِ، تَصْبِحُ آلِيَّاتُ اللَّاوَعْيِ (the unconscious) مُتَّصِلَةً بِالأَنْشِطَةِ الوَاعِيَةِ لِلْفُنُونِ وَالعُلُومِ؛ فَمُعْظَمُ الأَنْشِطَةِ البَشَرِيَّةِ، بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ، تَهْدِفُ إِلَى خَلْقِ صُورَةٍ لِأَنْفُسِنَا وَعَالَمِنَا. مِنَ المُؤَكَّدِ أَنَّنَا فِي خَطَرِ فِقْدَانِ قُوَّةِ عَمَلِ فْرُوِيدْ إِذَا فَقَدْنَا إِحْسَاسَهُ بِـ عَدَمِ الاسْتِمْرَارِيَّةِ (discontinuity) . مَا يُسَمِّيهِ جُودْمَانْ " صُنْعَ العَالَمِ (worldmaking) " بِلَا شَكٍّ يَمْتَدُّ إِلَى الرَّضِيعِ، لَكِنَّ مَا قَدَّمَهُ لَنَا فْرُوِيدْ هُوَ إِحْسَاسٌ بِالطَّابَعِ الطُّفُولِيِّ (بِالمَعْنَى الِازْدِرَائِيِّ) لِلْكَثِيرِ مِنَ العَوَالِمِ الَّتِي نَصْنَعُهَا لَاحِقًا. رُبَّمَا يُمْكِنُنَا، بِطَرِيقَةِ كُوهُوتْ فِي النَّظَرِ إِلَى الذَّاتِ، التَّمَسُّكَ بِإِحْسَاسِ الخَطَرِ الَّذِي قَدَّمَهُ وَصْفُ فْرُوِيدْ لِمَيْلَاتِ الرَّضِيعِ "الجِنْسِيَّةِ وَالعُدْوَانِيَّةِ". لَكِنَّهُ يَبْدُو أَكْثَرَ صُعُوبَةً، بِبَسَاطَةٍ لِأَنَّ مَا يَصِفُهُ وُولْفَ بِأَنَّهُ جِسْرُ كُوهُوتْ "لِلْفَجْوَةِ بَيْنَ عِلْمِ النَّفْسِ العَمِيقِ وَالعُلُومِ الإِنْسَانِيَّةِ" هُوَ نَتِيجَةٌ تَمَّ الحُصُولُ عَلَيْهَا مِنْ خِلَالِ مَا يُسَمِّيهِ وُولْفَ "تَحَوُّلٌ مِنْ إِعْطَاءِ الِاهْتِمَامِ الأَوَّلِيِّ لِلْأَجْزَاءِ، عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ، لِلْغَرَائِزِ وَالمَنَاطِقِ الجَسَدِيَّةِ... نَحْوَ مُحَاوَلَةِ إِدْرَاكِ **كُلِّيَّةِ (totality) الشَّخْصِ كَكُلٍّ." يَبْدُو أَنَّ هَذَا التَّحَوُّلَ يَفْقِدُ بِالضَّبْطِ مَا جَعَلَ فْرُوِيدْ مُفِيدًا وَمُهِمًّا – تَجْرِيدَهُ لِلْإِنْسَانِيَّةِ (dehumanization) مِنْ يَنَابِيعِ الفِعْلِ، وَخَاصَّةً الحُبَّ.

 

نُسْخَةُ شَافِرْ التَّأْوِيلِيَّةِ (hermeneutic) لِلتَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ بِاعْتِبَارِهَا "تَخَصُّصًا تَفْسِيرِيًّا وَلَيْسَ عِلْمًا طَبِيعِيًّا" مِنَ المُفْتَرَضِ أَنْ "تَنْزَعَ الِاسْتِعَارَةَ ( demetaphorize )" لُغَةَ النَّظَرِيَّةِ التَّحْلِيلِيَّةِ النَّفْسِيَّةِ. يَقُولُ شَافِرْ: " هَيْكَلٌ (structure)، آلِيَّةٌ (mechanism)، جِهَازٌ عَقْلِيٌّ (mental apparatus) ، تَفْرِيغٌ لِلطَّاقَةِ (discharge of energy)، أَتْمَتَةٌ (automatization) ، أَوْ اسْتِدْمَاجٌ (internalization) : هَذِهِ وَغَيْرُهَا مِنَ المُصْطَلَحَاتِ المَا وَرَاءَ نَفْسِيَّةٍ (metapsychological) تُظْهِرُ اسْتِيرَادَ (importing) مُحْتَوًى تَخَيُّلِيًّا مُجَسَّدًا (corporealized fantasy) بِشَكْلٍ فَاضِحٍ إِلَى نَظَرِيَّةِ التَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ." وَيَعْتَقِدُ أَنَّنَا قَدْ أَدْرَكْنَا هَذَا بِسَبَبِ تَقَدُّمِ الفِكْرِ الفَلْسَفِيِّ مُنْذُ عَصْرِ فْرُوِيدْ: "لَقَدْ أَصْبَحَ مِنَ الوَاضِحِ بِشَكْلٍ مُتَزَايِدٍ أَنَّ [مَا وَرَاءَ نَفْسِيَّةِ فْرُوِيدْ] إِيجَابِيَّةٌ (positivistic) بِشَكْلٍ فَظٍّ وَأَنَّ مَفَاهِمَهَا المِيكَانِيكِيَّةَ (mechanistic) قَدِيمَةٌ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ التَّقَدُّمِ فِي نَظَرِيَّةِ المَعْرِفَةِ (theory of knowledge) حَوْلَ (أَوْ تَفْسِيرِ أَنْشِطَةِ) البَشَرِ وَالعَالَمِ الَّذِي يَسْكُنُونَهُ. فِي مُوَاجَهَةِ افْتِرَاضَاتِ وَتَصَوُّرَاتِ فْرُوِيدْ فِي القَرْنِ التَّاسِعَ عَشَرَ، تَقِفُ اليَوْمَ المَفَاهِيمُ النِّسْبِيَّةُ أَوِ التَّعَدُّدِيَّةُ (relativistic or pluralistic conceptions) لِلطُّرُقِ وَالبَيَانَاتِ وَالوَاقِعِ؛ وَهُنَاكَ أَيْضًا التَّرْكِيزُ المُعَاصِرُ عَلَى الدَّوْرِ التَّكْوِينِيِّ (formative role) لِلُّغَةِ فِي تَأْسِيسِ مَا نَدَّعِي أَنَّنَا نَفْعَلُهُ وَنَعْرِفُهُ وَنَفْهَمُهُ."

 

لَا أَعْتَقِدُ أَنَّ نَظَرِيَّةَ المَعْرِفَةِ قَدْ تَقَدَّمَتْ بَعْدَ كَانْطَ، وَلَا أَنَّ "التَّرْكِيزَ المُعَاصِرَ عَلَى الدَّوْرِ التَّكْوِينِيِّ لِلُّغَةِ" هُوَ أَكْثَرُ مِنْ تَحْدِيثٍ لِتَأْكِيدِ كَانْطَ عَلَى الدَّوْرِ التَّكْوِينِيِّ لِلْمَفَاهِيمِ (concepts) . التَّحْدِيثُ مُهِمٌّ لِأَنَّهُ يُؤَكِّدُ، كَمَا لَمْ يَفْعَلْ كَانْطَ، أَنَّ المَخْطُوطَاتِ المَفْهومِيَّةَ (conceptual schemes) هِيَ ظَوَاهِرُ تَارِيخِيَّةٌ عَرَضِيَّةٌ (contingent) وَ عَابِرَةٌ (transitory) . لَكِنَّ هَذِهِ النُّقْطَةَ لَا تَخْدِمُ غَرَضَ شَافِرْ. "الهَيْكَلُ، الآلِيَّةُ وتَفْرِيغُ الطَّاقَةِ، الأَتْمَتَةُ" لَا تَصْبِحُ قَدِيمَةً لِأَنَّ مَفْهُومَ كَانْطَ عَنِ البَدَاهَةِ (the a priori) قَدْ تَمَّتْ نِسْبَنتُهُ (relativized) عَلَى طَرِيقَةِ لُوِيسْ (C. I. Lewis) وَفِيتْغِنْشْتَايْنْ . بِشَكْلٍ عَامٍّ، لَا تُوجَدُ اعْتِبَارَاتٌ مَعْرِفِيَّةٌ أَوْ دَلَالِيَّةٌ سَتَتَجَنَّبُ أَوْ تَحَوِّلُ الطَّابَعَ المِيكَانِيكِيَّ لِلتَّفْسِيرَاتِ الفْرُوِيدِيَّةِ أَكْثَرَ مِمَّا تَفْعَلُ مَعَ التَّفْسِيرَاتِ النِّيُوتُونِيَّةِ. هَذِهِ التَّفْسِيرَاتُ تَعْمَلُ؛ إِنَّهَا تَمْنَحُنَا وَسِيلَةً لِلتَّعَامُلِ مَعَ الأَشْيَاءِ الَّتِي نُرِيدُ التَّدَاوُلَ بِهَا أَوْ تَغْيِيرَهَا. يُمْكِنُ بِالطَّبْعِ تَرْجَمَتُهَا إِلَى مُصْطَلَحَاتٍ مَأْنَسَةٍ (anthropomorphic) وَإِنْسَانِيَّةٍ، لَكِنَّهَا عِنْدَهَا تَفْقِدُ أَهَمِّيَّتَهَا الأَخْلَاقِيَّةَ. وَالأَسْوَأُ مِنْ ذَلِكَ، أَنَّ النَّظَرِيَّةَ الَّتِي صِيغَتْ فِيهَا تَفْقِدُ قُدْرَتَهَا عَلَى التَّحَسُّنِ وَالتَّقَدُّمِ. مِنَ المُؤَكَّدِ أَنَّ شَافِرْ مُحِقٌّ فِي أَنَّ اسْتِخْدَامَ " لُغَةِ الفِعْلِ (action language) " فِي المَوْقِفِ السَّرِيرِيِّ لِلتَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ يُسَاعِدُ عَلَى جَعْلِ مِنَ الصَّعْبِ عَلَى المَرِيضِ إِلْقَاءَ المَسْؤُولِيَّةِ عَلَى عَاتِقِ **المُكَوِّنَاتِ النَّفْسِيَّةِ (psychic components) . وَلَكِنْ، عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ، مِنَ المُفِيدِ لِمُبَرْمِجِي الحَوَاسِيبِ وَالمُشَغِّلِينَ تَشْخِيصَ "الأَعْطَالِ" بِمُصْطَلَحَاتٍ مَأْنَسَةٍ، " قَصْدِيَّةٍ (intentional " (بَدَلًا مِنْ مُصْطَلَحَاتِ " الأَجْهِزَةِ المِيكَانِيكِيَّةِ) عِنْدَ التَّحَدُّثِ عَنْ آلَاتِهِمْ. ("الحَاسُوبُ الغَبِيُّ لَا يَفْهَمُ أَنَّ" "إِنَّهُ يُرِيدُ..." "إِنَّهُ يَعْتَقِدُ..." وَمَا إِلَى ذَلِكَ). لَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَعْتَقِدَ أَنَّ المُبَرْمِجِينَ يَسْتَجِيبُونَ لِـ "سِمَاتٍ لَا مَفَرَّ مِنْ أَنَّهَا بَيْنَ ذَاتِيَّةٌ (intersubjective) ، وَتَأْوِيلِيَّةٌ، وَسَرْدِيَّةٌ" لِلْمَوْقِفِ. إِنَّهُمْ بِبَسَاطَةٍ يَسْتَخْدِمُونَ مُصْطَلَحَاتٍ مُنَاسِبَةٍ لِلْغَرَضِ المَطْلُوبِ. حَقِيقَةُ أَنَّ عَدَمَ السَّمَاحِ لِلْمَرِيضِ بِالتَّهَرُّبِ مِنْ إِلْقَاءِ اللَّوْمِ عَلَى الآلِيَّاتِ النَّفْسِيَّةِ هُوَ أَمْرٌ مُفِيدٌ لِأَغْرَاضٍ عِلَاجِيَّةٍ، لَا تُعْطِي فِي حَدِّ ذَاتِهَا سَبَبًا لِإِزَالَةِ الآلِيَّاتِ مِنْ تَفْسِيرِ المُحَلِّلِ نَفْسِهِ لِمَا يَفْعَلُهُ المَرِيضُ. التَّفْسِيرُ المِيكَانِيكِيُّ (Mechanistic explanation مُفِيدٌ لِإِصْلَاحِ الحَاسُوبِ وَتَشْخِيصِ العَصَابَاتِ؛ وَلُغَةُ الفِعْلِ مُفِيدَةٌ لِتَشْخِيصِ بَرَامِجِ الحَاسُوبِ وَلِلْإِصْلَاحَاتِ الَّتِي تَتِمُّ عَلَى الأَرِيكَةِ . لَكِنَّ المُلَاءَمَةَ النِّسْبِيَّةَ (relative handiness) لِلْمُصْطَلَحَاتِ لَيْسَتْ فِي أَيٍّ مِنَ الحَالَتَيْنِ مُؤَشِّرًا عَلَى الوَقَائِعِ المِيتَافِيزِيقِيَّةِ (metaphysical realities) . المَغْزَى، إِنْ وُجِدَ، مِنْ "التَّقَدُّمِ" الَّذِي يَتَحَدَّثُ عَنْهُ شَافِرْ هُوَ أَنَّهُ لَا تُوجَدُ حَقَائِقُ مِيتَافِيزِيقِيَّةٌ – وَأَنَّ فَائِدَةَ (utility) مُصْطَلَحَاتٍ لَا يُمْكِنُ تَفْسِيرُهَا عَلَى أَنَّهَا مُطَابَقَةٌ لِلطَّبِيعَةِ الدَّاخِلِيَّةِ لِلْأَشْيَاءِ الَّتِي يُطَبَّقُ عَلَيْهَا.

 

اقْتِرَاحِي بِأَنَّ كَانْطَ قَدْ أَخْبَرَنَا بِكُلِّ مَا نَحْتَاجُ لِمَعْرِفَتِهِ عَنْ عَلَاقَاتِ الآلِيَّةِ وَالذَّاتِيَّةِ، يُؤَيِّدُهُ مُلَاحَظَةُ بَاكْ بِأَنَّهُ "يُمْكِنُ تَعْمِيمُ مَفْهُومِ الفِعْلِ وَيُمْكِنُ تَصَوُّرُ الكَلَامِ كَأُسْلُوبٍ لِلْفِعْلِ. فِي النِّهَايَةِ، يُمْكِنُ فَهْمُ تَأْوِيلِيَّةِ النُّصُوصِ (hermeneutics of texts) كَشَكْلٍ خَاصٍّ، وَلَكِنْ فِي خُصُوصِيَّتِهِ أَيْضًا شَكْلٌ نَمُوذَجِيٌّ، لِتَأْوِيلِيَّةِ الفِعْلِ (action hermeneutics) . هَذِهِ الطَّرِيقَةُ فِي رُؤْيَةِ المَسْأَلَةِ لَيْسَتْ جَدِيدَةً جِدًّا. إِنَّهَا تُكَرِّرُ بِطَرِيقَتِهَا الخَاصَّةِ الإِجْرَاءَ المُمَيِّزَ لِلْفَلْسَفَةِ الحَدِيثَةِ مُنْذُ كَانْطَ المَتَمَثِّلَ فِي تَحْلِيلِ 'أَفْعَالٍ' مُحَدَّدَةٍ لِلذَّاتِ النَّظَرِيَّةِ وَالعَمَلِيَّةِ." وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّنِي أَعْتَبِرُ إِجْرَاءَ كَانْطَ مُجَرَّدَ تَوْضِيحٍ لِحَقِيقَةٍ أَنَّهُ يُمْكِنُكَ تَفْسِيرُ أَيِّ شَيْءٍ تُرِيدُهُ عَلَى أَنَّهُ "لُغَةٌ"، وَبِالتَّالِي أَيُّ نَشَاطٍ تَشَارِكُ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ "تَأْوِيلِيٌّ". وَمَعَ ذَلِكَ، يَعْتَقِدُ بَاكْ أَنَّ هُنَاكَ المَزِيدَ فِي الأَمْرِ. يَقُولُ: "السِّمَةُ الأَسَاسِيَّةُ لِكُلِّ تَفْسِيرٍ، لِلنُّصُوصِ وَكَذَلِكَ لِلْأَفْعَالِ، هِيَ شَرْحُ المَعْنَى الَّذِي يُعْطَى فَقَطْ ضِمْنِيًّا (implicitly) فِي الأَدَاءِ"؛ وَيَقُولُ مَرَّةً أُخْرَى: "لِكُلِّ مُمَارَسَةٍ (praxis) مُحَدَّدَةٍ، لِكَيْ تَبْقَى مُمَارَسَةً، يَنْتَمِي نِسْيَانُ الذَّاتِ (self-forgetfulness) الَّذِي يَمْنَعُ الفِعْلَ مِنْ إِدْرَاكِ نَفْسِهِ بِشَكْلٍ مَلْمُوسٍ فِي نَفْسِ الوَقْتِ." يَبْدُو لِي أَنَّ هَذَا يُظْهِرُ مُجَرَّدَ (1) أَنَّهُ يُمْكِنُكَ مُعَامَلَةُ أَيِّ شَيْءٍ (إِنْسَانٌ يُهِينُ أَوْ يَرْكُلُ إِنْسَانًا آخَرَ، أَمِيبَا (amoeba) تَمُدُّ قَدَمًا كَاذِبَةً (pseudopod) ، جُسَيْمٌ يُصَادِمُ جُسَيْمًا آخَرَ) عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ وَضْعُهُ بِشَكْلٍ مُفِيدٍ فِي سِيَاقٍ أَوْسَعَ مِنَ الإِجْرَاءَاتِ المُمْكِنَةِ فِي مَوَاقِفَ مُمْكِنَةٍ، وَ (2) أَنَّ الإِنْسَانَ أَوِ الأَمِيبَا أَوِ الجُسَيْمَ لَا يَعْرِفُ بِالضَّرُورَةِ الكَثِيرَ عَنْ هَذَا السِّيَاقِ، عَلَى الأَقَلِّ فِي لَحْظَةِ الفِعْلِ. لِذَلِكَ، لِأَجْلِ وَصْفِ بَاكْ لِلتَّأْوِيلِيَّةِ عَلَى أَنَّهَا "جَلْبُ مَعْنًى كَانَ سَابِقًا لَا وَاعِيًا (unconscious) إِلَى الوَعْيِ"، يَجِبُ أَنْ أَسْتَبْدِلَ، عَلَى طَرِيقَةِ فِيتْغِنْشْتَايْنْ الجَيِّدَةِ، "وَضْعَهُ فِي سِيَاقٍ لَمْ يَكُنْ مُتَصَوَّرًا فِي البِدَايَةِ."

 

وَبِالتَّالِي، أَشُكُّ فِي نَقْدِ بَاكْ لِمُحَاوَلَةِ هَابِرْمَاسْ (Habermas) اسْتِخْدَامَ فْرُوِيدْ كَنَمُوذَجٍ. يُجَادِلُ بَاكْ بِأَنَّ " التَّوْضِيحَ التَّأْوِيلِيَّ (Hermeneutic explication) يَنْتَمِي إِلَى الطَّبِيعَةِ المِعْيَارِيَّةِ (normality) لِلْكَلَامِ وَالفِعْلِ وَيَتَمُّ اسْتِفْزَازُهُ عَلَى الأَكْثَرِ بِسَبَبِ فَشَلِ الفَهْمِ أَوِ التَّوَاصُلِ بَيْنَ الفَاعِلِينَ. لَيْسَ لَهُ طَابِعُ كِشْفٍ (unmasking) عَلَى الإِطْلَاقِ، عَلَى عَكْسِ التَّأَمُّلِ التَّحْلِيلِيِّ النَّفْسِيِّ (psychoanalytic reflection) ، الَّذِي يَبْدُو مُنَاسِبًا جِدًّا لِشُؤُونِ نَقْدِ الأَيْدُيُولُوجِيَا (critique of ideology) ." يَبْدُو لِي أَنَّ التَّوْضِيحَ التَّأْوِيلِيَّ (الَّذِي هُوَ، بِالنِّسْبَةِ لِي، وَلَكِنْ لَيْسَ لِبَاكْ، مُسْتَمِرٌّ مَعَ تَشْكِيلِ النَّظَرِيَّةِ فِي العُلُومِ) قَدْ يَكُونُ لَهُ طَابِعُ الكِشْفِ أَوْ قَدْ لَا يَكُونُ، اعْتِمَادًا عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ أَهَمِّيَّةٌ أَخْلَاقِيَّةٌ فِي السِّيَاقِ الَّذِي يَتَمُّ الكِشْفُ عَنْهُ. الكَثِيرُ مِنَ التَّفْسِيرَاتِ التَّحْلِيلِيَّةِ النَّفْسِيَّةِ (لِلنُّكْتَةِ، عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ) لَيْسَ لَهَا طَابِعُ "كِشْفٍ" أَكْثَرَ مِمَّا لَدَى تَفْسِيرَاتِ سُلُوكِ الفَرَاشَاتِ. قَدْ لَا يَشْعُرُ النَّكْتَةُ بِالْخَجَلِ مِنْ صُنْعِ، أَوِ الضَّحْكِ عَلَى، نَفْسِ نَوْعِ النُّكْتَةِ مَرَّةً أُخْرَى. لَكِنَّ نَقْدَ الأَيْدُيُولُوجِيَا (ideology-critique) لَدَيْهِ، بِحُكْمِ المُصْطَلَحَاتِ (ex vi terminorum) ، تَدَاعِيَاتٌ أَخْلَاقِيَّةٌ. لِذَلِكَ لَا أَرَى أَيَّ سَبَبٍ لِتَرَدُّدِ هَابِرْمَاسْ فِي اسْتِخْدَامِ نَفْسِ المَفْهُومِ الرَّقِيقِ المُصْفَرِّ (etiolated) لِلتَّأْوِيلِيَّةِ الَّذِي يَسْتَخْدِمُهُ بَاكْ نَفْسُهُ. (أُدْرِكُ أَنَّ حُجَّةَ بَاكْ تَعْتَمِدُ عَلَى الِادِّعَاءِ بِأَنَّ " عَدَمَ وَضُوحِ المَعْنَى (inexplicitness of meaning) " "جَوْهَرِيٌّ (essential)" فِي الحَالَةِ غَيْرِ التَّحْلِيلِيَّةِ النَّفْسِيَّةِ بَيْنَمَا فَقَطْ " عَرَضِيٌّ (contingent) " فِي التَّحْلِيلِيَّةِ النَّفْسِيَّةِ، وَلَكِنَّنِي لَا أَشْعُرُ أَنَّنِي أَفْهَمُ هَذِهِ النُّقْطَةَ. بِالنَّظَرِ إِلَى أَنَّ عَدَمَ الوَضُوحِ أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ – أَيْ أَنَّ لَا شَيْءَ يَفْعَلُ وَيَضَعُ فِعْلَهُ فِي سِيَاقٍ فِي نَفْسِ الوَقْتِ – لَا أَرَى أَنَّهُ أَقَلُّ طَبِيعِيَّةً، أَوْ أَكْثَرُ عَرَضِيَّةً، فِي تِلْكَ الأَفْعَالِ [أَوِ المُؤَسَّسَاتِ الاجْتِمَاعِيَّةِ] الَّتِي تَكُونُ التَّفْسِيرَاتُ الفْرُوِيدِيَّةُ [أَوِ الهَابِرْمَاسِيَّةُ] مُنَاسِبَةً لَهَا).

 

انْتِقَادَاتِي لِأَوْرَاقِ شَافِرْ وَبَاكْ هِيَ نَتَائِجُ طَبِيعِيَّةٌ (corollaries لِآرَاءَ دَافَعْتُ عَنْهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ. (انْظُرْ، عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ، نَدْوَةً حَوْلَ التَّأْوِيلِيَّةِ فِي مَجَلَّةِ The Review of Metaphysics لِشَهْرِ سَبْتَمْبِرَ، 1980). لَنْ أُطَوِّرَهَا أَكْثَرَ، وَلَكِنْ سَأُكَرِّرُ بِبَسَاطَةٍ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُسْرِعَ فِي قَبُولِ **المُقَابَلَةِ الدِيلْثِيَّةِ (Diltheyan opposition) بَيْنَ المَنَاهِجِ التَّأْوِيلِيَّةِ وَ" الإِيجَابِيَّةِ (positivistic ". يَجِبُ أَنْ نُفَكِّرَ فِي إِمْكَانِيَّةِ أَنْ فْرُوِيدْ كَانَ عَالِمًا طَبِيعِيًّا مِيكَانِيكِيًّا جَيِّدًا وَمُمَارِسًا لِلتَّأْوِيلِيَّةِ، وَأَنَّ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ لِمَا فَعَلَهُ لَا يَخْلُقَانِ أَيَّ تَوَتُّرٍ جَدَلِيٍّ يَتَطَلَّبُ حَلًّا فَلْسَفِيًّا. كُلَّمَا زَادَ إِغْرَاؤُنَا بِالتَّخَلِّي عَنِ الآلِيَّاتِ، وَالعَنَاصِرِ المُجَرَّدَةِ مِنَ الإِنْسَانِيَّةِ فِي نَظَرِيَّةِ فْرُوِيدْ، مِنْ أَجْلِ رَبْطِ فَجْوَةٍ مُفْتَرَضَةٍ بَيْنَ التَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ وَالأَدَبِ، كُلَّمَا زَادَ احْتِمَالُنَا أَنْ نَفْقِدَ مَنْظَرَ مَا يَجْعَلُ فْرُوِيدْ مُزْعِجًا لِلْغَايَةِ. لَا حَرَجَ فِي رُؤْيَةِ التَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ عَلَى أَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالنَّقْدِ الأَدَبِيِّ، أَوْ بِالأَدَبِ نَفْسِهِ، مِنْ وَجْهَةِ نَظَرٍ مَنْهَجِيَّةٍ (methodological) أَوْ مِيتَافِيزِيقِيَّةٍ (metaphysical) . وَلَكِنَّ المَنْهَجَ وَالمِيتَافِيزِيقَا لَا يُهِمَّانِ كَثِيرًا، وَقَدْ يُسَاعِدَانِ فِي كَبْتِ مَا يَجْعَلُ التَّحْلِيلَ النَّفْسِيَّ مُهِمًّا فِي المَقَامِ الأَوَّلِ. اكتِشَافَاتُ فْرُوِيدْ لِلْآلِيَّاتِ اللَّاوَاعِيَةِ تُهَدِّدُ مَفَاهِيمَ الأَخْلَاقِيَّةِ وَالعَقْلَانِيَّةِ الَّتِي جَعَلَتْ مُمْكِنَةً الثَّقَافَةَ العِلْمَانِيَّةَ اللِّيبِرَالِيَّةَ الَّتِي ظَهَرَتْ دَاخِلَهَا مَا نُسَمِّيهِ "أَدَبًا" وَ"نَقْدًا أَدَبِيًّا". نَحْنُ فِي خَطَرِ نِسْيَانِ مَا كَانَ فِي فْرُوِيدْ الَّذِي أَثَارَ كُلَّ هَذَا الشَّكَّ. لِكَيْ نَبْقَى هَذَا فِي الأُفُقِ، أَعْتَقِدُ أَنَّنَا بِحَاجَةٍ إِلَى مَنْهَجِيَّةٍ وَمِيتَافِيزِيقَا أَقَلَّ – إِلَى تَفْسِيرٍ فَلْسَفِيٍّ أَقَلَّ لِنَشَاطِ التَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ – وَإِلَى مَزِيدٍ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى الآثَارِ غَيْرِ المُسْتَوْعَبَةِ بَعْدُ لِلتَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ عَلَى مُحَاوَلَاتِنَا لِلتَّفْكِيرِ بِمُصْطَلَحَاتٍ أَخْلَاقِيَّةٍ.